التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٠٤يقع وادي ميزاب في الجنوب الشّرقي من الجزائر، يتخلّل هذا الوادي خمس قرى متجاورة: غرداية (مقرّ الولاية)، بني يسجن، العطف، بنورة، مليكة. وعلى مقربة منها في جهة الشّمال تقع قرية (برّيّان)، تتلوها القرية التي أقمنا فيها قرابة شهرين وثلاثة أسابيع (القرارة). أمّا باقي القرى فقد تجوّلنا فيها الأسبوع الأخير، ما عدا برّيّان.
بيوت القرى الميزابيّة متّصلة بعضها ببعض، تبنى من الجصّ غالبا، وهي في أكثرها لا تتعدّى الطّابق الواحد. ويكون أسفلها دهليز، ينفع للإقامة فيه صيفا وشتاء، وتتخلّل البيوت طرق وسكك، تؤدّي جميعها إلى الجامع، فلا ترتفع بك حتّى توصلك إلى المسجد، الذي يتوسّط كلّ قرية. وفي الغالب تبنى هذه القرى على تلّ مرتفع، يعلو ذروته المسجد، ثمّ تهبط من جوانبه سلسلة البيوت المتّصلة من حوله، ويحيط بالقرية سور له أربعة أبراج للحراسة والمراقبة.
مصادر الدّخل من التّجارة والزّراعة والصّناعة، وكثير من الشّباب في المؤسّسات الحكوميّة وإقبالهم هذا على الوظائف أثّر على عائدات الجانب الزّراعي؛ لانشغالهم عنه. ومن الميزابيّين من هو متخصّص في العلوم الحديثة وعلى مستوى راق فيها.
والميزابيّون قليلون في العدد، لكنّهم كثيرون في الأعمال، ولهذا يستكثرهم من يجهل حالهم؛ لأنّهم يوجدون في كلّ عمل، وفي كلّ مكان، حتّى إنّ البعض يقول عنهم: لو ذهبنا إلى القمر لوجدنا الميزابيّين وقد بنوا مسجدا ومقبرة!! وهم لا يتجاوزون المائتين والخمسين ألف نسمة تقريبا.
يعيش النّاس متآلفين متحابّين، يتعاونون فيما بينهم، متكافلين بشكل يحفظ المجتمع من مظاهر البؤس والشّقاء، أخلاقهم حسنة، وخلالهم حميدة، يعطف الكبير على الصّغير، ويوقّر الصّغير الكبير، بسطاء في مظاهرهم، لا تكاد تميّز ذا الثّراء من ذي المسكنة، ويقف النّاس جميعا بين يدي خالقهم خمس مرّات، محافظون على الجماعة في مساجدهم، يكبّرون تكبيرة واحدة، بصوت مسموع، تهتزّ له أركان المسجد …
والحقّ إنّي لم أحسّ بوجود أمّيّة بينهم، على ما رأيتهم من كثرة اجتماعاتهم ونشاط المشائخ منهم في التّوعية والتّوجيه، في جميع شؤون الحياة. ومن حدّثناه منهم، سواء الغنيّ و الفقير، وجدنا عنده قدرا لا يستهان به من الثّقافة، واستفدنا من الحديث معهم كثيرًا، فالفلاّح ماهر في الحديث عن فلاحته حديثًا يبيّن معرفته بأصول الفلاحة الحديثة. ومثله التّاجر والبنّاء والكهربائي، والكلّ في مستوى من الثّقافة، وعلى اطّلاع بمجريات الأمور وأحداث العالم، بما هو كاف وزيادة لمن كان في عملهم.
نظام العزّابة
مرّ على هذا النّظام ألف عام تقريبًا، منذ أن أسّسه الشّيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الفرسطّائي النّفوسي.
عزّابة الحلقة في العرف الجاري بوادي ميزاب عبارة عن جماعة مؤلّفة من اثني عشر عضوًا، وربّما بلغ عددهم أربعة عشر، ولكلّ عضو خليقة.
1 ـ شيخ الحلقة.
2 ـ الإمام – إمام الصّلاة -.
3 ـ المؤذّن.
(وهؤلاء عليهم الحلّ والعقد، وهم كالقطب لا يتحرّكون من موضعهم إلى الموت، وعند موت واحد منهم يتحوّل أقدم الجماعة لمنصبه).
4 ـ ثلاثة يقرئون الصّغار في المحاضر.