التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٠٦وعلى هذا فلم يهمل المشائخ في وادي ميزاب جانب الشّباب، وهم الجيل الصّاعد، بل ربّوه التّربية الإسلاميّة، ولم يأْلوا جهدا في تخلّلهم بالموعظة كلّما لاحت الفرصة السّانحة، وما أكثر الفرص لو فقهنا وتفطّنّا إليها في كلّ مجتمع، يُراد له أن يعيش تحت ظلّ الإسلام، ولكن ما أقلّ من ينتهزها للصّالح العام!
ونحن رأينا اللّقاءات الكثيرة التي يلتقي فيها الشّباب بالشّيخ، ويفسح المجال فيها لإيراد كلّ ما يدور بخواطر الشّباب، ولا يجدون ما يشفي غليلهم فيه إلاّ حكمة المشائخ الذين جمعوا مع تجارب الحياة حظّا وافرا من العلم، وتلك اللّقاءات منها الدّوريّة، ومنها ما تقام عند مناسبات الزّواج والجنائز والحفلات العامّة.
ـــ الاهتمام بالجانب النّسوي والطّفل
قال لي أحد الميزابيّين: إنّ زوجة الميزابي تكون معه في كلّ محاضرة، يستمع إليها، وفي كلّ مجلس يجلس فيه، ولم أستغرب ذلك، ولم يقع في خلدي أبدا أنّ من كان شأنه تطبيق تعاليم الإسلام ينسى جانب المرأة، وهو جانب حسّاس في المجتمع.
ولقد أشرت فيما سبق أنّ هيئة العزّابة خصّصت للنّساء هيئة نسائيّة تعرف باسم "الغسّالات"، وتكون هذه الهيئة خاضعة لمجلس العزّابة، ويشترط في أفرادها أن يكنّ من الورعات الخيّرات العاملات بأحكام الله، الممتثلات لأوامره المنتهيات عن نواهيه، وكذلك متقدّمات في السّنّ.
وأطلق عليهنّ هذا الاسم لأنّهنّ الرّقيبات على جميع أحوال المرأة من حيث العبادات والتّعامل، وهنّ اللّائي يربطن بين مجلس العزّابة والوسط النّسائي، وعليهنّ أن يراقبن الأعراس ويتتبّعن سير النّساء، فإن لاحظن عصيانا وتنطّعا، يبلّغن الأمر إلى هيئة العزّابة، وهي تتولّى النّظر في الحكم.
ولقد رأينا بيتا تدخله النّساء وتخرج منه مرّات متكرّرة، وهو ملتصق بالمسجد، فتيقّنّا أنّهنّ يدخلن الجانب المخصّص لهنّ في المسجد، لا ذلك البيت، وكذلك أخبرنا.
والنّساء ملتزمات بالزّيّ الإسلامي، الذي لا يظهر من المرأة إلاّ عينها اليسرى. ولباسهنّ البياض، ولهنّ التّعلّم في مدارس حرّة، بناها أهل كلّ قرية بنفقاتهم الخاصّة، حتّى الفصل الأوّل الإعدادي، ثمّ يتزوّجن فينشغلن بأعباء البيت، وتنتهي دراستهنّ غالبا إلاّ حفظ القرآن، إذا لم يكنّ يحفظنه، فمنهنّ من تكمل حفظه بعد الدّراسة.
أمّا فيما يتعلّق بالطّفل فإنّه يلقّن منذ نعومة أظفاره مبادئ الإسلام. وما إن تحمله رجلاه حتّى يعوّد على الذّهاب إلى المحاضر (الكتاتيب) في المسجد مع إخوانه، فنجد الاثنين والثّلاثة والأربعة، يأخذ بعضهم بأيدي بعض، يدخلون المسجد، حتّى إنّنا نزدحم معهم في باب المسجد، بعد صلاة المغرب وهم يدخلون. وما مررنا على صبيّ من صبيانهم إلاّ وحيّانا بتحيّة الإسلام.
ويحفّظ الطّفل القرآن في المسجد كما ذكرنا، وبين جدران البيوت، فيبدأ خلال أربع سنوات مقسّمة. بعد سنّ الخامسة غالبا يبدأ بسورة النّاس إلى سورة البلد في السّنة الأولى تلقينا، ثمّ من سورة البلد إلى سورة القيامة في سنته الثّانية تلقينا أيضا، ثمّ إن استطاع واصل الحفظ بنفسه مع مطالبته بالاستظهار في السّنة الثّالثة والرّابعة، حتّى ينتهي من سورة البقرة، ثمّ يستظهر القرآن رجوعا من سورة البقرة إلى سورة النّاس، وغالبا ما نجد أنّ من كان في الثّامنة أو التّاسعة إلى الثّانية عشر قد استظهروا القرآن.
من أمثلة اهتمامهم بالطّفل أنّهم لا يعطونه شيئا من النّقود مهما قلّت حتّى لا تتعوّد نفسه على الحبّ الأعمى للمال، وحتّى لا يصرف النّقود في غير الأمور النّافعة، وبجانب هذا يعوّدونه على الإعطاء