التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٠٧وحبّ الإنفاق، فقد حضرنا حفلا كبيرا في مدرسة الحياة لتكريم النّاجحين فيها، وتكريم حفظة القرآن الكريم، وتمّ بعد نهاية الحفل جمع تبرّعات المواطنين فكنّا نرى النّساء يسقطن النّقود من فوق سطح المدرسة، ومنهنّ من ترسل أبناءها، يحمل تبرّعاتها، فكنّا نرى الطّفل الصّغير، يمدّ يده للنّقود ليعطيها شيخ المجلس الأعلى، حتّى تكون تربية له منذ سنته الأولى على الإنفاق، ويتعوّد على الإعطاء. وهذا الوعي يكاد يكون شاملا في هذا الجانب عند جميع النّاس؛ إذ أنّهم تعوّدوا على الإنفاق في وجوه الخير، فكيف لا يورّثون ذلك أبناءهم؟!
ـــ مشاركتنا المتواضعة
أذكر أنّنا لمّا دخلنا معهد الحياة قابلنا الشّيخ صالح بن أحمد حدبون وراء طاولة مكتبه، يملأ المكان بصوته المجلجل، ويبهج النّفس بوجهه المتهلّل، قال لنا وهو يدقّ الطّاولة بيده، المكان جاهز، النّقود موجودة، الكلّ جاهز، كلّ شيء تام، ما عليكم إلاّ أن تبدأوا ..
والحقّ إنّهم ما تركوا لنا شيئا نحتاجه إلاّ وجهّزونا به، ولقد كان الشّيخ صالح حدبون يتفقّدنا بنفسه، يسأل عن احتياجاتنا، ويظهر دائما أسفه في التّقصير في إكرامنا، وقد تبرّعوا لنا ببيت تابع لأحد بيوت العشائر الكبيرة نقيم فيه، وفتحوا لنا أبواب بيت العشيرة بأكمله لنحفظ القرآن في أيّ مكان فيه، وسُمح لنا مع ذلك أن ننام على سطحه.
وبيوت العشائر هذه تُبنى بنفقات المحسنين يجتمع فيها النّاس للولائم والعزائم واللّقاءات الثّقافيّة الفكريّة، وهي مكان لإقامة الأعراس، وأغلبها على طابقين، هما قاعتان كبيرتان، يتّصل بهما مطبخ ومخزن، وربّما مكتبة أيضا. وقد حضرنا شيئا من أعراسهم وولائمهم فيها.
أمام ذلك الذي قدّموه لنا؛ تسهيلا لحفظنا، حاولنا أن نساعدهم بما لدينا من نقود؛ كلّما سنحت لنا الفرصة، دون أن يشعروا؛ بشراء ما نحتاجه في غذائنا، وذلك في الحقيقة لا يساوي شيئا أمام فيض جودهم، وبحر عطائهم.
كانت لنا مشاركة في حفلة (إيروان) لتكريم حفظة القرآن الكريم في معهد الحياة؛ حيث ألقى صاحبي قصيدة طويلة لصالح بن أحمد البوسعيدي، أحد الطّالبين اللّذين سبقانا إلى حفظ القرآن في القرارة، في السّنة الماضية، يذكر فيها سلامه الحارّ وتحيّاته الطّيّبة، وشدّة شوقه إلى وادي ميزاب، ثمّ ألقيت في ذلك الحفل الكريم أحد عشر بيتا، وهي بضاعتي المزجاة:
أهاجك ذكر البان أم معهد الصِّبا
وهل بعث الأبياتَ ريحٌ من الصَّبا
وكيف هُدِي التّفكير ينظم ما أبى
من الشّعر، كان الشّعر من قبل أصعبا
لحزن عميق أم لشوق مبرّح
نظمت، وهل شيء أسرّ وأطربا؟
نعم هاجني ثمّ استباني متيّما
حديث له يستمطر الغيث أسحبا
سيجعلني ما بين ذي الأرض والسّما
أطير بإحدى الطّائرات مغرّبا
أزور بني ميزاب أسعى إلى السّما
لأطرق باب العلم والنّور والأبا