التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٢لإشباع نهمه من العلم، حتّى يُدَلَّ على أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (أستاذه بعد ذلك) والإمام الثّاني للمذهب الإباضي. فهو يجهل أبا عبيدة، فكيف له أن يسمع بجابر، فضلا عن أن يعرفه، ويعرف مركز البصرة: " … فقام عبد الرّحمن مجتهدا في ذلك الأمر، فقال له رجل من أهل الدّعوة: إن كنت تريد العلم بما كلفت به، وعلقت مطلبه بخاطرك، فدونك أرض البصرة، فإنّ بها رجلا عالما يكنّى أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة التّميمي، فإنّك تجد عنده ما تطلب …(1)
لهذه الأسباب التي ذكرناها فإنّنا نرجّح ونقول إنّ الاتّصال بين جابر بن زيد وأهل المغرب لم يحدث، وإنّما حصل بداية مع تلميذه أبي عبيدة التّميمي. ومن جاء بعده. ما يمكن تسجيله في نقطة البداية في التّواصل الثّقافي، هو أنّ الخلفيّة الفكريّة له - بأوسع ما تحنله الكلمة - تتمثّل في المرجعيّة العلميّة للإمام جابر بن زيد (ت 93هـ) و كما أنّ البداية العلميّة للتّواصل الإباضي بين المشارقة والمغاربة كانت عل عهد الإمام ابي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.(2)
كان لهذه البداية أثرها الكبير في مسيرة أهل المغرب الطّويلة والمثمرة بعد ذلك، ولهذا كان فضل عمان على المغرب الإسلامي كبيرا. هذا ما نشير إليه فيما يأتِي:
فضل عمان على المغرب الإسلامي
أخذت عمانُ مركزَ القيادة بالنّسبة للإباضية، بالنّظر إلى أنّ المذهب الذي ظهر في البصرة، كان إمامه الأوّل جابر بن زيد عمَانيَّ الأصل، كما كان علماؤه الأوائل من أصول عمانية، حتّى انتشاره في البصرة كان بين سكّان عمانيّين، أو ينحدرون من أصول عمانيّة. وكان الذين أسهموا في تثبيت أسس المذهب، ونشر أفكاره وآرائه، والقائمون على التّعليم والتّكوين والإعداد، وإرسال حملة العلم إلى المشرق والمغرب، بعد التّكوّن والتّحصيل … كان كلّ أولئك عمانيّين.
كما أنّ عمان تبوّأت مكانة مرموقة، وأصبحت مركز الثّقل السّياسي المهيمن على بقيّة المناطق، التي وجد فيها الإباضية: دعوة ودفاعا ونصرة له … وقد عبّر العمانيّون عن ذلك بقولهم: "باض الدّين بمكّة وفرّخ بالمدينة، وطار إلى البصرة، ونهض إلى عمان."(3)
لهذه المكانة السّامية التي تحتلّها عمان في نفوس الإباضيّة، وجدنا أهل المغرب يتعلّقون كثيرا بإخوانهم في الموطن الأمّ للإباضيّة؛ يستعينون بهم في تكوّنهم وتثقّفهم، ويلجؤُون إليهم في حلّ مشاكلهم، ويرجعون إليهم في الفتوى وفي الاستشارة، وفي دعمِ كيانهم. وقد أوفدوا بعثات علميّة للتّكوّن على أيدي علماء الإباضيّة في عمان والبصرة، وأرسلوا رسائل علميّة إلى إخوانهم هناك. وقاموا بزيارات لهم، واستقبلوا هم رسلا وعلماء، وتلقّوا منهم رسائل، إلى غير ذلك من الوسائل التي اعتمدوها لدعْمِ علاقتهم بالمشرق الإسلامي.
ممّا يثبت تعلّق الإباضيّة المغاربة بالمشارقة في بداية وجودهم بالمغرب، وفي بداية تكوّنهم ونشأتهم ما نقل عن الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم (ت 208هـ) أنّه كان شغوفا بالعلم،
(1) - طبقات المشائخ بالمغرب ج1، ص: 12. ينظر أيضا كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 36
(2) - ينظرالشّيخ أحمد بن سعود السّيّابي، التّواصل الإباضي بن عمان والبلاد المغاربيّة، ط1، مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، 1435هـ/ 2014م، ص: 12 - 21.
(3) - سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، العقود الفضيّة في الأصول الإباضيّة، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1403هـ /1983م ص: 148.