التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٢١من خلال النّصوص التّاريخيّة الواردة في المخاطبات والكتب والرّسائل وغيرها من المدوّنات التّاريخيّة، إلّا أنّه لم يتعرّض لما يتعلّق بجانب الشعر بسبب قلّتها(1) كما يقول بوحجام.
وتعود البدايات الأولى للتّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر إلى الشّيخ سلمة بن سعد الحضرمي، أحد رجالات المذهب الأباضي الأوائل، الذين وصلوا إلى الجزائر في القرن الثّاني الهجري، حيث قام بنشر الدّين الإسلامي وفق ما تعلّمه من الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وغيرهم الذي أرسل إليها مع مجموعة الطّلبة (حملة العلم) واستطاعوا تكوين الدّولة الإسلاميّة الرّستميّة، على يد عبد الرحمن بن رستم وزملائه (عاصم السّدراتي وأبو الخطاب المعافري وغيرهم). وقد كانت عُمان في تلك الفترة تقدّم الدّعم المادي والمعنوي للدّولة الرّستميّة لتثبيت أركانها.
ويبرز التّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر – كما يقول بوحجام في هذا الكتاب- عبر ما يلي:
1 - اللّقاءات: حيث سمحت بتبادل الرأي والمشورة وأسهمت في تطوير الفكر الإسلامي الأباضي بالخصوص، وقد كانت هذه اللّقاءات يتمّ أغلبها في موسم الحجّ، حيث الدّروس وحلقات العلم التي يقوم بها كبار علماء الأباضيّة، من أمثال أبي عبيدة ومحبوب بن الرّحيل، والمواعظ والمناظرات العلميّة؛ ليعود بعد ذلك أهل المغرب (الجزائر)، وأهل المشرق (عُمان) بحصيلة ثقافيّة ومعارف وإجابات لأسئلة عديدة وبأخبار المشرق والمغرب.
2 - الزّيارات والرّحلات المتبادلة: سواء ما كان منها لمجرد الزّيارة وتفقّد الاحوال واستطلاع الأخبار، ام التّعلّم والتّحصيل، أو التّعلّم والتّدريس، حيث زار الكثير من علماء عُمان الجزائر والمغرب من أمثال الشيخ محمد بن عبد الله السّمائلي، الذي دارت بينه – كما ذكر الشّماخي في كتابه (السّير) – مناظرة مهمّة في علوم الطّب مع الطبيب الجزائري يعقوب بن أحمد، كما زارت الجزائر عام 1964م بعثة عمانيّة ضمّت عشرات الطّلبة للدّراسة في معهد الحياة لتلقّي العلم الشرعي، وكذلك مجموعات الطّلبة الجزائريّين، الذين يأتون السّلطنة للدّراسة في معهد العلوم الشّرعية، إضافة إلى الزّيارات المتبادلة بين كبار العلماء في البلدين لحضور النّدوات والملتقيات العلميّة، وعلى سبيل المثال لا الحصر زيارات سماحة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسّلطنة إلى الجزائر، وزيارات الشّيخ ناصر المرموري الجزائري إلى السّلطنة، كما أقيم في عام 1989م معرض ثقافي في قصر الثّقافة بالجزائر تحت عنوان (الأيّام الثّقافيّة العمانيّة في الجزائر).
3 - تبادل الكتب: فقد ذكر أنّ أبا العباس الفرسطائي وهو من علماء الجزائر [ليبيا] بحث عن مسألة فقهيّة بين حوالي ثلاثة وثلاثين ألف كتاب، كلّها من تآليف أهل المشرق (عُمان والبصرة واليمن)، وهذا ما يدلّ على أن تبادل الكتب كان ولا يزال يعتبر وسيلة مهمّة جدًّا في التّواصل الثّقافي. ومن يقرأ في كتب علماء عُمان والجزائر في علوم الشّريعة الإسلاميّة يجد أنّ الكتب المتبادلة كانت مراجع مهمّة في عمليّة التّأليف، فنجد المغاربة يروون في كتبهم عن المشارقة.
4 - التّعاون في التّأليف: حيث نقرأ التّكاتف على إبراز الفكر الإسلامي الصّحيح وحمايته من الهجوم والتّشويه، وكان له الأثر الإيجابي في حفظ العلاقة وضمان التّواصل الثّقافي، وكان يتمّ عبر طرق كثيرة مثل شرح الآثار أو نثر المنظومة ونظم المنثور وأحيانا .... الرّدّ بتأليف
(1) - لم أذكر هذا، ما سجّلته هو: " … وقد أسقطنا مثلا في دراستنا هذه ما يتعلّق بجانب الشّعر، أي تبادل القصائد بين المشرق والمغرب، وهو جانب مهمّ في حاجة إلى دراسة خاصّة ومركّزة، ونحن لا نملك كمًّا هائلاً من هذه القصائد، التي تسمح لنا بالقيام بهذه الدّراسة." ينظر الكتاب ط1، ص: 10.