التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٣

وحريصا على التّفقّه في الدّين، ولتحقيق غرضه وتلبية رغبته، توجّه وجهة المشرق فأرسل إلى إباضيّة البصرة بألف دينار، ليشتروا له بها كتبا، ابتاعوا له ورقا، ونسخوا له وقرَ أربعين جملا كتبا، فأرسلوها إليه، ولمّا وصلته قرأها كلّها.(1)

يضاف إلى ذلك دعوات زعماء أهل المغرب الملحّة النّاس والطّلبة إلى دراسة كتب إخوانهم المشارقة؛ لأنّهم يرونها الجديرة بأن تكوّنهم وتعلّمهم. من هذه الدّعوات قول الإمام أفلح بن عبد الوهّاب (ت 258هـ) "عليكم بدراسة كتب أهل الدّعوة (أي الإباضيّة) ولا سيّما كتاب أبي سفيان."(2)

تخصيص سيرة أبي سفيان بالدّراسة والعناية، له دلالة في التّعبير عن الرّغبة الملحّة في التّزوّد من المنابع الأولى والمصادر الصّحيحة للمعرفة. إنّ هذه السّيرة كانت لها أهميّة كبيرة عند الإباضيّة بعامّة إذ كانت عمدتهم "في التّعريف بنشأة المذهب وبعلمائه الأُوَّل؛ لأنّه من الرّعيل الذي أخذ عن أبي عبيدة وعن الرّبيع، وإنّا لنرجو أن يسعف الزّمن به … "(3)

لقد استفاد المغاربة كثيرا من سيرة أبي سفيان في التّعرّف على المذهب الإباضي، في أصوله وتاريخه وعلمائه، كما استفادوا من علمه، من خلال حضورهم حلقاته التي كان يقيمها في مكّة ومنى في موسم الحجّ. هكذا يبدو لنا فضل عمان على أهل المغرب الإسلامي من خلال نشاط علمائها.

من الأمثلة على تعلّق المغاربة بالمشارقة، وحرصهم على التّكوّن على أيديهم وعلى كتبهم، واستئناسهم بتآليفهم وتصانيفهم ما روي عن أبي العبّاس أحمد بن أبي بكر محمّد بن بكر الفرسطائي (ت 504هـ/1111م) أنّه قال: " كنت أقرأ على الشّيخ سعدون، فجازت مسألة ذبيحة الأقلف قال: في أكلها قولان فلم ينسبهما، فدخلت إلى الدّيوان، وكان بجبل نفوسة ديوان اشتمل على تآليف كثيرة، فلازمت الدّرس أربعة أشهر، لا أنام إلاّ ما بين أذان الصّبح إلى صلاة الفجر، فتأمّلت ما فيه من تآليف أهل المشرق، فإذا هي تقرب من ثلاثة وثلاثين ألف جزء، كلّها لأهل المذهب، فتخيّرت أكثرها فائدة، فقرأته."(4)

هذه الرّواية تدلّ دلالة واضحة وقويّة على اعتماد إباضيّة المغرب في المجال التّكويني على إخوانهم المشارقة. كما تسجّل فضل عمان على أهل المغرب؛ بوجود هذا الكمّ الهائل من الكتب في المنطقة، قرأها أبو العبّاس باحثا عن إجابة مقنعة لمسألته. وفي تنصيص أبي العبّاس على هذه التّآليف إقرار منه بفضل أصحابها على أهل المغرب.

يضيف الأستاذ إبراهيم بحّاز دليلا آخر على تعلّق المغاربة بالمشارقة، ورغبتهم في السّير على سَنَنِهم، وترسّم خطاهم فيقول:" ولا أدلّ على علاقة المغرب بالمشرق من ذلك الرّباط الذي لا ينفصم ولا يزال مستمرّا، ويتجلّى بوضوح في تقليد المغرب للمشرق، فأيّما مشكلة أو مسألة فكريّة نوقشت هناك، إلاّ وتجد أصداءَها في المغرب. ولقد شهد المشرق خلال القرن الثّالث الهجري تطوّرا كبيرا في الفكر العربي الإسلامي. حاول المغرب بما أوتي من قوّة مسايرة ذلك الفكر والوصول إلى مستواه ضمن حدوده

(1) - ينظر طبقات المشائخ في المغرب ج1 ص: 56، 57، وسير الشّماخي ج1، ص: 142.

(2) - أبو القاسم البرّادي، رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا. ينظر الدّكتور عمّار طالبي، آراء الخوارج الكلاميّة، الجزء الثّاني، الشّركة الوطنيّة للّشر والتّوزيع، الجزائر، سنة 1398هـ /1978م. ص: 284.

(3) - علاقة عمان بشمال افريقيا، ص: 28.

(4) - سير الشّماخي، ج2، ص: 90، ينظر أيضا طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 445.

١٣ / ١٢٠