التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٤

الجغرافيّة والزّمانيّة. ولعلّ في مناظرات المعتزلة لإباضية المغرب أكبر دليل وأوضحه على العلاقة وأوجه الشّبه بين المشرق والمغرب العربيّين … "(1)

هكذا يتبيّن لنا فضل المشرق بعامّة، وعمان بخاصّة على المغرب الإسلامي من حيث التّكوين والتّثقيف والإعداد، فهناك كتب مشرقيّة رحلت واستقرّت في مكتبات المغرب؛ ليتعلّم منها وعليها المغاربة. وهناك تطلّع إلى كلّ ما يبدو في المشرق من علم، ومن وسيلة للتّزوّد من المعرفة والتّفقّه في الدّين، والتّكوّن في مختلف المجالات، ومحاولة الظّفر به. ويظهر هذا الفضل في تقليد المغاربة للمشارقة في طريقة التّفكير ونوعيّة الموضوعات التي يناظر فيها وتناقش، لفرط تعلّق أهل المغرب بأهل المشرق؛ بما يثبت التّواصل الثّقافي بينهما.

كما يبرز هذا الفضل في مظاهر أخرى، مظاهر الدّعم المعنوي لإباضيّة المغرب، قصد تمكينهم من دّعْمِ كيانهم، وحسن تدبير أمورهم وإقامة شؤونهم، مثلما حدث في دَعْمِ الدّولة الرّستميّة.

الدّعم المعنوي والمادّي للدّولة الرّستميّة

إنّ العلاقة بين إباضيّة المشرق وإباضيّة المغرب كانت تتطوّر وتتمتّن بمرور الزّمن وتَعَاقُب الأيّام. إذْ نَقرأ في المصادر والمراجع الإباضيّة وغيرها عن الدّعم المادّي والمعنوي المشرقي للدّولة الرّستميّة، التي قامت في الجزائر في أعقاب سقوط دولة أبي الخطّاب في طرابلس.

أوّل دعم معنوي لهذه الدّولة هو اعتراف عمانيّ بصريّ بها؛ فقد تردّد على الألسن أنّ مؤسّس الدّولة الإمام عبد الرّحمن بن رستم "سوف يملك المشرق ويملؤه عدلا، فانهضوا إليه بما معكم من هذه الأموال … "(2)

هذا الشّعور وهذا الأمل اللّذان راودا أهل عمان والبصرة هما تعبير صادق عن الإحساس بالعلاقة الرّوحيّة، التي تربط المشرق بالمغرب ودليل واضح على نيّتهم المخلصة في توثيق العلاقة وإِحكامها بين القطبين.

هذا التّعلُّق بإمامة عبد الرّحمن بن رستم، التي قامت في المغرب تعبير عن أمل المشارقة في إنقاذ الإباضيّة من حالات العسر والضّيق التي يمرّون بها؛ بسبب الهيمنة العبّاسيّة، وتسلّطهم وظلمهم، ومضايقتهم للإباضيّة، فقد مرّ هؤلاء بظروف عصيبة، كادت تعصف بهم، وتقضي عليهم، وكان الضّعف يدبّ إلى نشاطهم؛ ولذا كانوا يستعدّون للانتقال من البصرة إلى عمان. وكانت عمان نفسها ما بين قيام الإمامة الأولى132هـ/750م والإمامة الثّانية 177هـ/793م خاضعة للدّولة العبّاسيّة، وكان

(1) - بحّاز إبراهيم بكير، الدّولة الرّستميّة، دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة، ط1، مطبعة لافوميك، الجزائر، سنة 1985م، ص: 398.

(2) - أخبار الأئمّة الرّستميّين، ص: 28. ينظر أيضا سليمان باشا الباروني، الأزهار الرّياضيّة في أئمّة وملوك الإباضيّة، الجزء الثّاني، تحقيق محمّد عليّ الصّليبي، المطابع العالمية، رويّ، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان سنة 1407هـ /1987م. ص: 133، 134

١٤ / ١٢٠