التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٥

أهل عمان يعيشون الأوضاع نفسها التي يعيشها إخوانهم في البصرة من الملاحقة والمضايقة، حتى خشوا أن يقضى على مذهبهم.(1)

إذن إنّ تعلّق إباضيّة المشرق بهذا المولود الجديد (الدّولة الرّستميّة) كان منطقيًّا، فقد وجدوا فيه عاملا نفسيّا يخفّف عنهم وطأة الظُّلم والاضطهاد، ويشجّعهم على التّمسّك بمذهبهم؛ إذ ظفروا بمن يعوّض لهم ما فاتهم من سقوط الإمامة، التي قامت على يد الجلندي بن مسعود سنة 132هـ. وكانوا يعقدون آمالا عريضة على الدّولة الرّستميّة في النّهوض بالمذهب، أو على الأقلّ ضمان بقائه.

تقف الدّولة على قدميها، وتتوطّد العلاقة بينها والمشرق؛ فتجد الدّعم الكامل من الإخوة هناك. وقد كانت مظاهر هذه المساندة كثيرة ومتعدّدة. منها الاعتراف بعبد الرّحمن بن رستم إماما لكلّ الإباضيّة في المشرق والمغرب على السّواء، وذلك بعد اجتماع أهل المشرق، واختبار مدى قوّة شخصيّة الإمام وقدرته على تسيير الدّولة.(2)

يتمّ الدّعم بتقديم العون المادّي للدّولة، وإرسال الأموال اللّازمة لتثبيت أركانها، ثمّ بالرّعاية الكاملة، والعناية الشّاملة؛ بإسداء النّصائح والإرشادات، وإصدار الفتاوى … بما يساعد الدّولة على حلّ مشاكلها في المجالات المختلفة، وبما يعينها على التّطوّر والتقدّم والازدهار.

كما لقي الإمام عبد الرّحمن بن رستم احترامًا كبيرًا عند المشارقة، ونال حظوة خاصّة؛ لما أظهره من كفاية في إمامة المسلمين، ولما أبداه من زهد وورع، فرغب أهل المشرقفي إمامته، ورأوها فرضًا عليهم. كذلك نال ابنه عبد الوهّاب الشّرف نفسه، فلفد سار على نهج أبيه، وأظهر من الكفاية في سياسة الأمور ما أدهش أهل المشرق، حتّى قال فيه الإمام الرّبيع بن حبيب (ت 170هـ)، إمام الكتمان في البصرة في مجالسه: " عبد الوهّاب إمامنا وثقتنا وإمام المسلمين أجمعين."(3)

يتوالى دعم المشارقة للدّولة الرّستميّة؛ ربطًا للصّلة وتوثيقًا للعلاقة بين المشرق والمغرب، وتتتابع الرّسائل إلى مركز القيادة في البصرة من المغرب، تحمل هموم المغاربة وشكاويهم من مستجدّات الأمور. تطلب هذه الرّسائل حلولا وفتاوى وإجابات مقنعة واستشارات في مسيرة الحركة. فحين حدثت ثورة يزيد بن فندين على الإمام عبد الوهّاب الذي كان يرى نفسه أولى بالحكم من عبد الوهّاب. وكان يتربّص به، ويتحيّن الفرص، ويراقبه في تصرّفاته، ويتسقّط أخطاءه؛ حتّى لاحظ أنّ عبد الوهّاب نقض الشّرط الذي اشترطه عليه المسلمون، وهو عدم إبرام أمر أو الإدلاء برأي في شأن من الشّؤون إلاّ بجماعة معلومة معيّنة من الإباضيّة.

بدا لابن فندين أنّ الإمام خالف هذا الشّرط. فكان يولّي عمّالا على مدن الدّولة ممّن يرى فيهم حسن السّيرة والكفاية في تولّي المناصب، من دون الرّجوع إلى الجماعة. ولم يكن ابن فندين من هؤلاء العمّال، فثارت ثائرته، وغرّر بِمجموعة استمالهم إليه، فأثارهم ضدّ الإمام …

لمّا استفحل خطر ابن فندين وتطوّرت الفتنة لم يجد أهل المغرب سوى الرّبيع بن حبيب (زعيم الإباضيّة في البصرة) من يكاتبونه في الموضوع، ويستفتونه فيما حدث، وما يجب عمله، فراسلوه. وقد جاء الجواب منه أنّ ما صنعه الإمام عبد الوهّاب صواب وإمامته صحيحة والشّرط باطل. (1)

(1) - ينظر الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص: 134.

(2) - ينظر أخبار الأئمّة الرّستميّين، ص: 32، 33، 35، والأزهار الرّياضيّة ج2، ص: 133، 134، 138.

(3) - سير الشّماخي، ج1، ص: 134. جاء في طبقات المشائخ بالمغرب، ج1، ص: 55. عبد الوهّاب إمامنا وتقيّنا وإمام المسلمين.

١٥ / ١٢٠