التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٧مأخوذ به إلاّ أن يكون الإمام أمر به وهو يرى أنّه الحقّ"(1) وقد كان لهذه الرّسالة أثرها في القضاء على فتنة خلف بن السّمح.(2)
يذكر الدّكتور فرحات الجعبيري أنّ هذه السّيرة تقع في ستّ وعشرين صفحة من الحجم المتوسّط. وقد عالجت ثلاثا وخمسين مسألة موجّهة من أهل المغرب إلى الشّيخ محمّد بن محبوب(3) وقد أجاب عنها الشّيخ واحدة واحدة، بعد أن دعا الأمّة، ونصحها بالالتزام بالتّقوى.(4)
من جانب آخر كان أهل المغرب يرسلون بعض الرّسائل إلى أهل المشرق يقدّمون فيها بعض النّصائح والإرشادات فيما يلاحظونه من بعض الأخطاء التي ترتكب في المشرق، أداء للواجب الدّيني، وتوطيدا للعلاقة بين المشرق والمغرب. من أمثلة ذلك السّيرة التي وجّهها بعض فقهاء المسلمين إلى الإمام الصّلت بن مالك (237 ــ 273هـ/ 852 ــ 887م).(5) إنّ السّيرة غفل من التّوقيع، ومن ذكر الجهة المرسِلة لها، إلاّ أنّ الدّكتور فرحات الجعبيري يرجّح أنّها من أهل المغرب "وذلك لدقّة ما جاء فيها من الاحتجاج في قضيّة مخالفة النّكار للإمام عبد الوهّاب. ومهما يكن مصدر الرّسالة، فهي معبّرة عن التّلاحم بين أطراف المحيط الإباضي، ذلك لأنّها جاءت طافحة بالدّعوة إلى الائتلاف؛ لشعور أصحاب الرّسالة أنّ الأمّة على وشك الافتراق. وفي ذلك تحذير من تربّص المتربّصين لهم حيثما كانوا."(6)
هذه المراسلات وهذه الاستشارات التي توالت على المشرق من المغرب، وممّن كان يعيش تحت كنف الدّولة الرّستميّة، وقد صدرت من الأئمّة ومن عامّة النّاس، وممّن كان السّبب في إثارة بعض الفتن وإحداث بعض المشاكل … هذه اللّفتات تدلّ على هذا التّعلّق الكبير بالمشرق، وحسن الظّن الذي يشعر به المغاربة نحو المشارقة.
كما أنّ إسداء النّصح منهم، وشمول إخوانهم المغاربة بالرّعاية والكفالة وبالرّحمة … كلّ ذلك يدلّ على شعور هؤلاء بأبوّتهم الرّوحيّة للمغاربة. ومن جهة أخرى فإنّ إذعان هؤلاء لما يأتيهم من إخوانهم في المشرق، وقبولهم لأحكامهم فيهم، ولإشاراتهم ولما يأمرون به ــ إلاّ في النّادر القليل ــ كلّ ذلك يدلّ على رغبة الطّرفين في تمتين العلاقة، وتوثيق الصّلة بينهما، ليستقيم مذهبهم ويقف على عوده، وليعمّ الإسلام والسّلام في ربوع الأرض.
لمزيد من توطيد أواصر العلاقة بين المشرق والمغرب، وتقديم العون والدّعم للدّولة الرّستميّة، فإنّ أهل البصرة وعمان كانوا يرسلون رسلهم إلى المغرب لتفقّد إخوانهم فيه. أخبارُ هذه الزّيارات الخاصّة بهذا الغرض ملأت صفحات المصادر الإباضيّة بخاصّة. من ذلك أنّ رجالا من أهل المشرق قدموا زائرين في فترة إمامة عبد الوهّاب "فوصلوا إلى جبل نفوسة وزاروا أهله من الإباضيّة، وانتهى بهم المطاف إلى الإمام عبد الوهّاب، الذي جمعهم بأحد علماء نفوسة، وكان هذا الإمام يعظّم هذا العالم
(1) - نور الدّين السّالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ط2، ج1، مكتبة الاستقامة، رويّ سلطنة عمان، (د. ت)، ص: 248.
(2) - ينظر إباضيّة مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 142، 143.
(3) - ينظر علاقة عمان بشمال افريقيا، ص: 30.
(4) - تراجع السّيرة في كتاب السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان ج2، ص: 223 - .268
(5) - تراجع السّيرة المصدق في المصدر السّتبق، الجزء الأوّل، ص: 181 – 228.
(6) - علاقة عمان بشمال افريقيا، ص: 35، 36.