التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٩اللّقاءات والزّيارات والرّحلات
أ اللّقاءات:
تعدّ اللّقاءات والزّيارات والرّحلات التي كانت تتمّ بين الإباضيّة فيما بينهم من أهمّ الوسائل التي وطّدت العلاقة بين المشرق والمغرب، ونشّطت التّواصل بين القطبين، وسمحت بتبادل الرّأي والمشورة في الأمور المستجدّة، وقد أسهمت هذه اللّقاءات والزّيارات كثيرا في تطوير الفكر الإباضي بخاصّة.
لقد كان موسم الحجّ في مقدّمة المناسبات التي كان الإباضيّة يتّخذونها وسيلة من وسائل اللّقاء. وفعلا قد ساعد الموسم على انتشار المذهب الإباضي؛ وذلك عن طريق إلقاء الدّروس والمواعظ، ثمّ بواسطة المناظرات التي كانت تقوم بين الإباضيّة فيما بينهم، وبينهم وبين علماء المذاهب الأخرى وبواسطة حلقات العلم التي كانت تقام في الحجاز. وقد كان المغاربة من بين من يحضر هذه المجالس، ويشهد هذه المناظرات العلميّة؛ ليعودوا بعد ذلك إلى بلادهم مزوّدين بمعارف وبإجابات عن أسئلتهم، وبأخبار عن إخوانهم المشارقة، وبذلك تتمتّن العلاقة، وتتطوّر من موسم إلى آخر.
في سيرة مقرن البغطوري (ق 6هـ/ 12م) - المعروف بسير نفوسة - معلومات عن علاقة إباضيّة المغرب بإباضيّة المشرق، وكيف كانوا يتزاورون، كلّ يزور الثّاني في بلده: " … يزور أهل المشرق أهل المغرب ليعرفوا ما هم عليه، ويزور أهل المغرب أهل المشرق ليستفيدوا منهم العلم."(1)
لا يخفي ما في قول مقرن البغطوري من التّأكيد على احتياج أهل المغرب إلى إخوانهم المشارقة في التّعلّم والتّكوّن، فقد سجّل أنّ أهل المشرق يحرصون ــ في زياراتهم ــ على معرفة أحوال إخوانهم المغاربة، بينما أهل المغرب يحرصون على التّزوّد من علم المشارقة.
لقد كان أبو عبيدة وأبو المودود حاجب الطّائي والرّبيع بن حبيب، وأبو نوح صالح الدّهّان وأبو سفيان محبوب بن الرّحيل ومحمّد بن محبوب وغيرهم من علماء الإباضيّة يعقدون حلقات العلم والبحث والمناظرة في الحجاز في أثناء موسم الحجّ وقبله وبعده، يحضرها الإباضيّة وغير الإباضيّة ليُفيدوا أنفسَهم وغيرَهم.
كما أشار مقرن البغطوري إلى لقاءات الإباضيّة في موسم الحجّ كلّ عام. وكان الإباضيّة المغاربة - لحرصهم على الحجّ - كان حجّاجهم إذا رجعوا من البقاع المقدّسة، لا يفترقون حتى يتّفقوا في مكان يسمّى "تَمَصْرُون" متى يكون المسير إلى الحجّ في الموسم القادم. ولمّا سقطت "تاهرت" أصبح حجّاج أفريقيا وطرابلس وجربة يجتمعون في موضع يسمّى "إمَّاسَن"، وكان هذا ديدنهم وسيرتهم؛ إذ كان لهم مكان يلتقون فيه للاتّفاق على المسير إلى الحجّ في الموسم المقبل. يقول البغطوري: " فجعلوا
(1) - مقرن البغطوري، سير نفوسة (مخطوط) ورقة1.