التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢٠

دهرهم بين الجهاد والرّباط والحجّ … ولقد بلغنا أنّهم يجتمعون في نحو ألف أو أقلّ أو أكثر، لا يكون المجلس بينهم إلاّ بالتّرجمان."(1)

من الأدلّة التي تدلّ على إكثار الإباضيّة من الحجّ؛ أداء لواجب ديني وتقديم قربة إلى الله، وتحقيق بعض الأغراض التي أشرنا إليها آنفا، من الأدلّة على ذلك أنّ لكثير من الإباضيّة نجائب الإبل يحملون عليها غير القادرين من إخوانهم إلى مكّة لأداء فريضة الحجّ أو تكرير أدائها.(2) كما أنّ إمام المذهب جابر بن زيد اشتهر بكثرة حجّه، وقيل: إنّه حجّ أربعا وعشرين مرّة.(3)

كان الأئمّة الرّستميّون يكثرون من الحجّ ويشجّعون النّاس على ذلك.(4) كما كان زعماء الإباضيّة وعلماؤهم يحجّون لجملة من الأغراض؛ منها الحرص على التّعلّم؛ لأنّ اللّقاء في الحجاز هو أحد الوسائل المهمّة لتحصيل العلم. ومن الأمثلة لهذه الظّاهرة ما ذكره الشّماخي أنّ العالم المغربي أبو المنيب محمّد بن يانس النّفوسي، الذي كان معاصرا للإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم. ذكر أنّ هذا العالم: "قسّم عمره بين طلب العلم والزّيارة والحجّ. فعام للحجّ وعام يذهب زائرا إلى تيهرت عند الإمام، وعام يقرأ العلم عند اسماعيل بن درار الغدامسي، وعام يتعبّد فيه في مشاهد الجبل."(5)

إنّ هذه الظاهرة (الإكثار من الحجّ، وحرص بعض النّاس على أن لا يفوتهم الحجّ كلّ سنة أحيانا، والتّحريض على ذلك) تلفت نظر الدّارس ليبحث عن الأسباب الدّاعية إلى ذلك. خاصّة وأنّ المسافة بعيدة بين الحجاز والمغرب. وأنّ الحاج يلاقي صعوبات جمّة في القيام بهذه العبادة أداء، فضلا عن تكريرها كلّ عام.

يبدو لنا أنّ ذلك نابع من حرص المؤمن على أداء واجبه الدّيني، ثمّ الإكثار من النّوافل تقرّبا إلى الله تعالى؛ إذ أنّ المؤمن يجد نفسه أكثر استعدادا لعبادة ربّه ومناجاته حينما يكون في الأماكن المقدّسة. وهناك خصوصيّة ينفرد بها الإباضيّة، وهي رغبتهم في توطيد العلاقة فيما بينهم بواسطة الاتّصالات واللّقاءات لتبادل الأخبار والاستشارات وتلقّي العلم من بعضهم، والتّفقّه في الدّين؛ خاصّة وأنّ الإباضيّة مرّوا بظروف عصيبة: حوربوا في أفكارهم وتاريخهم، وحرموا من نشر مذهبهم … فكانت هذه الظّروف من الأسباب الكبيرة التي جعلتهم أكثر إصرارا على اللّقاء والتّزاور وتوطيد العلاقة …

لهذا كان موسم الحجّ أحسن فرصة لتحقيق آمالهم؛ إذ هو مؤتمر عالمي يلتقي فيه المسلمون، الذين يقدمون من كلّ أنحاء العالم؛ فيتعارفون ويتبادلون الأخبار، ويوطّدون علاقاتهم ببعضهم بعضا. وتعدّ هذه الاهتمامات وهذه المآرب من الأهداف المهمّة للحجّ في الإسلام .. فما يزال موسم الحجّ ــ إلى اليوم ــ من أحسن الوسائل التي يغتنمها الإباضيّة لتبادل الأخبار والمؤلّفات والمشاورات ..

بهذه الاعتبارات كان موسم الحجّ من بين الوسائل التي تدخل في دائرة ربط العلاقة والتّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب. وفي هذا يقول الأستاذ إبراهيم بحّاز: "لعلّ الحجّ يعتبر أهمّ وسيلة ربطت المغرب بالمشرق ولا يزال، وقد تجاوب المغاربة مع هذا الرّكن من الدّين وتحمّسوا له، فكانت أمنيّة الواحد منهم منذ أن حسن إسلامهم أن يقوم بهذه الرّحلة الدّينيّة العلميّة، ولا يزال هذا الشّعور فيهم قائما."(6)

(1) - م. س. ورقة3.

(2) - كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 240.

(3) - م. س. ص: 208. والعقود الفضّيّة في الأصول الإباضيّة ص: 99. جاء في المرجع الأخير أنّه حجّ أربعين مرّة.

(4) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 90، 159.

(5) - سير الشّماخي، ج1، ص: 148.

(6) - الدّولة الرستميّة: دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة، ص: 390.

٢٠ / ١٢٠