التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢١

هكذا كان الحجّ بالنّسبة للإباضيّة فرصة للمذاكرة والمدارسة وتلقّي العلم، والاستفسار عمّا أشكل من المسائل في مختلف المجالات، وتفقّد الأحوال. إنّ هذا ما يوطّد العلاقة، ويبقي باب التّواصل الثّقافي مفتوحا. هذا هو التفسير الذي نراه مناسبا لظاهرة إكثار الإباضيّة من الحجّ.

ب- الزّيارات والرّحلات المتبادلة:

شكّلت الزّيارات والرّحلات المتبادلة بين إباضيّة المشرق والمغرب وسيلة أخرى مهمّة من وسائل التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر بخاصّة، والمغرب بعامّة، سواء ما كان منها لمجرّد الزّيارة وتفقّد الأحوال واستطلاع الأخبار، أم ما كان للتّعلّم والتّحصيل، أم للتّعليم والتّدريس … وقد أفادتنا المصادر والمراجع بكثير من الأخبار عن هذه الرّحلات والزّيارات، وبخاصّة المصادر الإباضيّة منها.

سبقت إشارتنا إلى رحلة بعض علماء إباضيّة البصرة إلى جبل نفوسة، ثمّ تاهرت في الجزائر في عهد الإمام عبد الوهّاب؛ لتفقّد أحوال الدّولة الرّستميّة، ثمّ لمعرفة مدى انتشار المذهب الإباضي في المنطقة، ومدى تعمّق أهل الدَّعوة والاستقامة في معرفة أصول مذهبهم، ومدى علم المغاربة وفقههم.(1)

من بين العلماء المشارقة الذين خرجوا من البصرة قاصدًا تاهرت، مارّا بجبل نفوسة في عهد الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم أبو غانم الخراساني (ق2هـ/8م) وقيل عاش في القرن الثّاني والثّالث الهجريّين، صاحب المدوّنة الصّغرى والكبرى. فقبل أن يصل إلى تاهرت ترك مدوّنته عند عالم جبل نفوسة عمروس بن فتح النّفوسي (ت 280هـ/853م) حيث نسخها، وقد كان لهذه المدوِّنة أثر وشأن كبيران في بلاد المغرب الإسلامي. إنّ ما قام به عمروس بن فتح ثمرة إيجابيّة من هذه الزّيارة، وخطوة مهمّة في العلاقة والتّواصل الثّقافيَيْن. وفي هذا يقول الدّرجيني: "وهو (أي عمروس) الذي لولاه لاندثر معلم المذهب وانطمس، وعفر أثره واندرس، لتمسّكه ببقيّة الحوائج العظائم، وتصحيحه ما قيّد عن الخراساني أبي غانم."(2)

أمّا الشّماخي فيقول: "ولمّا وفد أبو غانم بشر بن غانم الخراساني على الإمام عبد الوهّاب ومعه مدوّنته المشهورة في الفقه، التي رواها عن تلامذة أبي عبيدة، وجاز على جبل نفوسة، واستودع عمروسا نسخة منها، وأخذ في نسخها، وأخته تملي عليه، ويلازم الموضع حتى تدركه الشّمس، فينتقل حرصا في إحياء العلم، فما رجع بشر إلاّ وقد استكمل نسخها، وهو في اثني عشر جزءا، فوجد نقطة حبر على بعض الكراريس فقال: سرقت هذا، قال سمّاني سارق العلم. فلمّا وقع ما وقع بتيهرت وأحرقت كتبها، بقيت نسخة عمروس، ينتفع بها الإباضيّة، ولولاها لبقي أهل المذهب من غير ديوان بالمغرب، يعتمدون عليه، وذلك ببركة عمروس وحسن نيّته."(3)

رواية الشّماخي وتعليقه يبيّنان أهمّيّة هذه المدوّنة في الفكر الإباضي بعامّة، وفقهه بخاصّة، وهو ما يبرّر حرص عمروس بن فتح على نسخها واقتنائها، ويفسّر الجهد الذي بذله، والمشقّة التي تحمّلها في سبيل الحصول عليها، ويبيّن مدى اعتزازه بوصف أبي غانم له سارق العلم.

(1) - ينظر كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 293. وكتاب سير الشّماخي ج1، ص: 155.

(2) - طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 320.

(3) - سير الشّماخي ج1، ص: 194، 195.

٢١ / ١٢٠