التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٠

من هذه الرّحلات رحلة النّفّاث بن نصر النّفوسي إلى بغداد،(1) وقد كان عالما مرموقا. ونظرا لكونه محبّا للزّعامة ولم يظفر بها - كما تصوّره المصادر القديمة - فقد خالف أستاذه وإمامه أفلح بن عبد الوهّاب وألّب عليه النّاس بآرائه في الإمامة، كما انتقده في مسائل، وقدح في سيرته. وبعد تهديد الإمام أفلح له، سافر إلى بغداد، وهناك نسخ ديوان جابر بن زيد، وجاء به إلى المغرب، ودفنه في التّراب حسدا وبغيا، في قصّة معروفة.(2)

إذن إنّ هذه الرّحلة كانت ثقافيّة، رغم ما فيها، ورغم عدم الحصول على نتيجة ملموسة في مسيرة الفكر الإباضي. فهي تدلّ على هذا التّواصل مع المشرق، لأنّ نفّاثا كان يطمح في الحصول من المشرق على ما يحاجج به الإمام أفلح بن عبد الوهّاب.

من هذه الرّحلات - أيضا - رحلة "عبد العزيز بن الأوز" الفقيه الإباضي ــ البارع الذي تتبرّأ منه الإباضيّة ــ إلى المشرق(3) من أجل طلب العلم،(4) وإن كان ابن الصّغير مصدر الخبر لم يذكر الجهة التي رحل إليها عبد العزيز، إلاّ أنّ الأستاذ إبراهيم بحّاز يرى أنّ المدينة التي زارها هي البصرة أو بغداد.(5) أمّا الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم فيرى أنّ "المقصود بالشّرق هنا إمّا البصرة أو عمان، أو الاثنين معا … "(6)

رَأْيَا الأستاذين لهما ما يبرّرهما، وما يسندهما، وذلك أنّ الإباضيّة المغاربة كانوا كثيري التردّد على هذه المراكز المذكورة، التي يعبّر عنها بالمشرق والشّرق، سواء من كان منهم موافقا للجماعة هنا في المغرب أم مخالفا لهما. فكلّ واحد منهم يقصد المشرق للتّزوّد بما يرغب فيه من معارف، أو ما يدعم به رأيه، أو يوضّح موقفه، أو يصحّح مفهوماته من المنابع والمصادر، ومن مراكز القيادة والتّكوين، التي يراها المغاربة ويستأنس ويطمئنّ إليها … في البصرة وعمان بخاصّة.

من بين الرّحلات التي سجّلت للمغاربة إلى عمان ما ذكره الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم من أنّ الطّلبة المغاربة كانوا يقصدون حلقة أبي محمّد بن عبد الله بن محمّد بن بركة البهلوي السّليمي، صاحب كتاب جامع ابن بركة (عاش في القرن الرّابع الهجري) كانوا يقصدونه للتّعلّم والتّفقّه "حتّى قيل إنّ الطّلبة المغاربة لا يفقدون من مقامه، فلمع اسمه وشاع ذكره."(7)

يؤكّد الدّكتور فرحات الجعبيري هذا الخبر بما رواه له الشّيخ النّاصر بن محمّد المرموري؛ نقلا عن الشّيخ أبي إسحاق اطفيّش (ت 1386هـ/1965م) الذي ذكر "أنّه تكوّنت بعثة من الطّلبة المغاربة من سبعين طالبا، يدرسون على الشّيخ أبي محمّد عبد الله محمّد بن بركة … ولذلك كانوا يسمّونه بشيخ

(1) - حتّى وإن لم تكن الرّحلة إلى البصرة أو عمان، إلاّ أنّها كانت لغرض الحصول على أثر إباضي مشرقي عمانيّ هو ديوان جابر بن زيد. تنظر قصّته في كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 92 وما بعدها. وكتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج1، ص: 78 وما بعدها، وكتاب الأزهار الرّياضيّة في أئمّة وملوك الإباضيّة ج2، ص: 251 - 267.

(2) - تنظر قصّته كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 96. وطبقات المشائخ بالمغرب ج1، ص: 82. وكتاب الأزهار الرّياضيّة … ج2، ص: 266 …

(3) - ينظر كتاب أخبار الأئمّة الرّستميّين، ص: 86.

(4) - الدّولة الرّستميّة: دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة، ص: 394.

(5) - م، س، ن.

(6) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 155.

(7) - م. س. ص: 155، 156. ينظر كتاب الاستقامة ج1، تحقيق محمّد أبو الحسن. وزارة التّراث القومي والثّقافة، مسقط، سلطنة عمان، سنة 1985م، ص: 5.

٢٩ / ١٢٠