التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٦

"وقد اعتمد إباضيّة المغرب فيما ألّفوه من كتب عن المذهب وسيرة مؤسّسيه وتاريخه على ما ورد إليهم من كتب من عمان والبصرة، فقد اعتمد الدّرجيني في تأليفه لكتابه المعروف باسم الطّبقات على السّيرة التي كتبها أبو سفيان محبوب بن الرّحيل، آخر أئمّة الكتمان في البصرة … وبذلك انتقل علم محبوب بن الرّحيل إلى بلاد المغرب، وكان الطّلاّب والعلماء يتعهّدونه بالدّراسة والمذاكرة، ويفضّلونه، ويفضّلون كتب المشارقة في المذهب على غيرهم من النّاس، وكان الآباء يقومون بتلقين أبنائهم أصول المذهب من هذه الكتب … "(1)

يستدلّ الأستاذ إبراهيم بحّاز على كثرة كتب المشرق في الدّولة الرّستميّة بقول الإمام أفلح بن عبد الوهّاب يحثّ رعيّته: "عليكم بدراسة كتب أهل الدّعوة، ولا سيّما كتاب أبي سفيان."(2)

نذكر هنا ــ كما أشرنا سابقا ــ مدوّنة أبي غانم الخراساني، وما تركته من آثار كبيرة في الأوساط الإباضيّة في المغرب الإسلامي.

يقول صاحب كتاب "عمان تاريخا وعلماء": إنّه في إمامة عمان بزعامة ناصر بن مرشد اليعربي في سنة 1624م، وفي إمامة عزّان بن قيس سنة 1868م تمّت عملّيات تبادل الكتب من أهل المشرق وأهل المغرب.(3)

كان المغاربة أكثر رواية عن كتب المشارقة، وأكثر إفادة ممّا ورد في تآليفهم وكتاباتهم. ففي الفقه اعتمدوا كثيرا على مدوّنة أبي غانم الخراساني، وفي الحديث اعتمدوا على كتاب الرّبيع بن حبيب الأزدي العماني: "وقد ظلّت آثار الرّبيع تدرّس في بلاد المغرب، وظلّ طلبة العلم الإباضيّة الذين عرفوا منذ القرن الخامس للهجرة باسم العزّابة يعقدون مجالس العلم في المساجد، ويقرؤون آثار الرّبيع."(4)

كما نجد أبا الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي الذي جعله الدّرجيني في الطبقة العاشرة (450 ــ 500هـ) يروي عن ابن بركة العماني صاحب كتاب الجامع (عاش في القرن الرّابع الهجري).

يعلّق الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم على هذه الرّوايات وهذا النّقل بقوله: "وهذا النّقل وتلك الرّواية، لا تأتي إلاّ إذا وصلت كتب المشارقة من عمان والبصرة إلى المغاربة في مصر وبلاد المغرب."(5)

في مجموعة من الرّسائل المتبادلة بين أهل وادي ميزاب وأهل عمان، وقفنا على إشارات كثيرة، يطلب فيها أصحابها كتبا من المشرق والمغرب على السّواء، أو يخبرون عن وصول كتب من هنا أو هناك. فهذا الشّيخ عبد العزيز الثّميني الميزابي الجزائري (1130 ــ 1223هـ) يرسل إلى جربة وعمان وأنحاء المغرب الإسلامي، ويطلب من يشتري له الكتب النّفيسة في الفنون المختلفة، وفعلا ينال مراده، وتأتيه هذه الكتب.(6)

(1) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 170.

(2) - الدّولة الرّستميّة دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة ص: 398. ينظر البرّادي، ملحق بكتاب آراء الخوارج الكلاميّة ج2، ص: 284.

(3) - عمان تاريخا وعلماء، ترجمة محمّد أمين عبد الله. سلسلة (تراثنا) ع: 10، ط2. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1980م، ص: 46، 47.

(4) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 169.

(5) - م. س. ص: 168

(6) - نهضة الجزائر الحديثة. ج1، ص: 267.

٣٥ / ١٢٠