التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٧في رسالة أرسلت إلى قطب الأئمّة الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش (ت 1332هـ/1914م) ذكر فيها صاحبها أنّه أرسل له كتاب بيان الشّرع في تسعين مجلّدا(1): "على يد الولد العزيز محمّد بن عمر بن سعيد، وهو وقف على يدكم أنت محمّد بن يوسف، ومحمّد بن عيسى(2)، وسعيد بن يوسف(3) ومحمّد بن يحيى، ومحمّد بن عمر بن سعيد، وكافّة العلماء والمسلمين، ولا تمنع الطّلبة (كذا) العلم، قد وقفتها هذه الكتب وقفا مؤبّدا، حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين."
نثبت هنا نصّ رسالة من الرّسائل التي تحمل رغبة الحصول على كتب من الجزائر: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد! فسلام على شيخنا المعمور بالمعارف الرّبّانيّة، المغمور بالمعارف الرّحمانيّة: الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش، حرسه الله تعالى، وزاده إكراما وإجلالا وأبّهة وجمالا. من راقمه العبد الضّعيف خادم طلبة العلم من أهل المذهب الوهبِيّ الإباضي الشّريف الحاج راشد بن عزيز بن بخيت الخصيبي الإباضي العماني السّمائلي. يا شيخ المذهب، قد أرسلت إليك كتابا منّي بيد الحاج الوافد إلى زيارتنا أحمد بن أحمد ابن عمر النّوري الإباضي المصعبي. كشفت لك فيه شدّة اضطراري إلى الحصول على مؤلفاتك المباركة لأكتسب منها العلوم، راغبا إلى الاقتباس من أنوارها كلّ الرّغبة، كشرح النّيل وشرح المعالم وغيرها، وقيمتها أو أجرة نسخها عليّ. وعدتك بإرسالها، ولك من الله الثّواب العظيم، فإنّ العلوم في عمان وطالبيها على شفا، ومن النّدرة بمكان. وكلّ الكتب التي أرسلتها إلى الشّيخ سعيد الصّفري رحمه الله، وإلى ولده من بعده، نقلها ولده إلى زنجبار، وما جاءني منك جواب، إلاّ أنّه وصلني كتاب ترتيب المعلّقات وكتاب أجور الشّهور مع الحجّاج من أصحابنا العمانيّين، قائلين إنّهما من مصعب، ولعلّهما منك، وذانك الكتابان موجودان معنا منذ زمان، وإنّما الحاجة كلّ الحاجة على غيرهما ممّا ذكرته. فأسألك بالله العظيم أن لا تخيّب عنائي فيك، وأن تحقّق ظنّي فيك، حقّق الله ظنّك فيه، وبلّغك منه كلّ ما أملته من فضله … "(4)
هذا نموذج من الرّسائل التي كانت تصل إلى الجزائر من عمان، وهو يدلّ على استمرار التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب، رغم بعد المسافة، وصعوبة الاتّصال ومشقّته، فالرّسالة تبرز حرص العمانيّين في الحصول على كتب من المغرب الإسلامي، خاصّة مؤلّفات القطب الذي ذاع صيته، كما تبيّن الرّسالة القيمة أو المكانة التي يحتلّها القطب في نفوس العمانيّين، وتحتلّه مصنّفاته ومؤلّفاته، كما تكشف عن فترة مظلمة أو عصيبة كانت تمرّ بها عمان، تمثّلت في نقص العلماء، أو على الأقلّ ضآلة جدواهم، وقلّة نفعهم؛ لأسباب نجهلها. ولهذا احتاجت إلى المدد من الجزائر.
في رسالة أخرى أرسلها إلى القطب المسمّى عبد العزيز بن سعيد جاء فيها: "فلا يخفى على جنابك عن مصرنا هذا، فقد خلا من المرشدين، فقد ذهب العلم وأهله، وكثر الجهل وحزبه، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم."(5)
في رسالة أخرى أرسلها إلى القطب عبد الله بن راشد الهاشمي، أخبره فيها بوصول كتابه "جامع الشّمل في حديث خاتم الرّسل". بعد الشّكر والتّقدير والاعتذار عن عدم التّمكّن من زيارته؛ بسبب بعد المسافة، إلاّ أنّ الكتابة تبقى نوعا من المواصلة قال: "ومهما أردت كتابا من كتبنا المتداولة المشهورة
(1) - في حدود علمي، كتاب بيان الشّرع يقع في سبعين أو اثنين وسبعين مجلّدا.
(2) - محمّد بن عيسى آزبار.
(3) - سعيد بن يوسف وينتن.
(4) - الكتاب السّادس، ضمن مجموعة 44 كتابا من أهل عمان إلى الحاج امحمّد ابن يوسف اطفيّش. تكرّم بها عليّ الدّكتور فرحات الجعبيري. هذا الكتاب مؤرّخ بمنتصف جمادى الأخيرة عام 1304هـ.
(5) - الكتاب الثّاني والعشرون من مجموعة 44 كتابا.