التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٨

الموجودة، فعرّفنا عنها، لنرسلها لك، ومهما زهب شيء من التّصانيف الجديدة، فنريد أن تجعل لنا نصيبا لنستفيد منها علوما وتبرّكا، حتّى يكون الدّعاء ممتدّا، ونحن ندعو لك ولكافّة المسلمين بالنّصرة على الكافرين ودخول الجنّة مع الأبرار."(1)

من الكتب المهمّة التي ورد لها ذكر كبير في هذه الرّسائل كتاب "قاموس الشّريعة" الذي وصل القطب في فترات متقطّعة وأجزاء متفرّقة، وقد سجّل فيه مؤلّفه وكتب: من مؤلّفه وقف للطّلبة المغاربة على يد الشّيخ امحمّد بن يوسف اطفيّش.(2)

نسجّل هنا أنّه لا تكاد تخلو رسالة من الرّسائل الأربع والأربعين التي اطّلعت عليها، لا تخلو من طلب كتاب أو تأليف من مؤلّفات القطب، أو الدّعاء بالخير والبركة … أو وصول كتاب إلى عمان، أو إرسال آخر إلى وادي ميزاب، أو الشّكوى من الفقر إلى العلم والعلماء، أو طلب التّأليف والتّصنيف في موضوع معيّن، أو شرح أو تعليق، أو بيان مكانة القطب في نفوس العمانيّين، وتقدير علمه وجهاده في سبيل نصرة المذهب الإباضي، والتّعريف به، أو استنجاد عمان بالمغرب الإسلامي لينقذه من الجهل، أو الشّكوى من نضوب العلم وقلّة العلماء والمرشدين …

في رسالة أرسلها الشّيخ سعيد بن زهران بن سالم الرّويشدي النّخَلي العماني إلى الحاج صالح بن عمر بن داود لعلي المغربي (ت 1928م) تلميذ الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش. جاء فيها بعد السّلام والتّحيّة: " … وقد تقدّم منّا لك بيان يقتضي إرسالك إلينا دراهم وكاغد حتّى تُتَمّ لك النُّسَخُ التي أردتها على أيدينا، فلم يأتنا منك جواب، وقصدنا إرسال الزّاهب إليك من النُّسخ في هذه السّنة، لكنّ بعضها غير مصحّح، وبعضها لم يكمل نسخها، وأنّ النّاسخ الذي ينسخ لنا قصد سفر الحجّ، وما علمت به إلاّ وهو مسافر، ثمّ منعني حالا عن إرسال المنسوخ والمصحّح بأن قدّر الله حربا بين أهل البلدان التي نحن قاطنون بها، فامتنعت الطّرق من شدّة المخاوف والسّعي فيها، وإرسال الكتب إلى بندر مسقط على يد الشّيخ سعيد بن ناصر، فخفت عليها أن تضيع، لكن إن شاء الله لنغتنم الفرصة ولنرسل جميع الذي كافت (كذا) له الدّراهم."(3)

المهمّ إنّ كتبا كثيرة كانت ترحل بين المشرق والمغرب في إطار التّواصل الثّقافي. وممّا يثبت رحيل كثير من الكتب المغربيّة إلى المشرق وإفادة المشارقة منها في كتاباتهم وتآليفهم ما ذكره الدّكتور رجب محمد عبد الحليم أنّ الشّيخ جميل بن خميس السّعدي، كان كثيرا ما يشير في كتابه قاموس الشّريعة أنّه كان يقتبس من كتب مغربيّة، أو ينقل عن شيوخ أفريقيا أو "سيرة أصحابنا من أهل المغرب". وأحيانا يذكر الكتاب الذي أخذ عنه. وأخرى يشير إلى مؤلّف الكتاب. إذن إنّ الشّيخ قد اقتبس من كتب مغربيّة "لاشكّ أنّها كانت موجودة في عمان قبل عصره بزمن طويل، واستطاع أن يحصل عليها وأن يستفيد منها في تأليفه لهذا الكتاب الذي بلغ عدد أجزائه اثنين وتسعين جزءا."(4)

هكذا نتبيّن حاجة المغرب إلى المشرق وحاجة المشرق إلى المغرب، فزمانا كان المغرب يتطلّع إلى المشرق، وفي هذه الفترة كان المشرق هو الذي يشرئبّ إلى المغرب. وهذا هو التّواصل، وهذا هو التّفاعل، وهذه هي العلاقة الثّقافيّة الحقيقيّة.

(1) - الكتاب الخامس عشر من مجموعة 44 كتابا. حرّر الكتاب يوم 14 من ذي الحجّة 1305هـ.

(2) - طبع هذا لكتاب في المدّة الأخيرة، بعد أن قام بإعداده للطّبع فريق من الباحثين، فيهم عدد كبير من الجزائريّين، وكان العمل تحت إشراف الأستاذ إبراهيم بن محمد لعساكر ..

(3) - الرّسالة مؤرّخة بتاريخ 9 من شوّال سنة 1328هـ، وهي موجودة في مكتبة الشّيخ الحاج صالح بن عمر لعلي في بني يسجن (الجزائر).

(4) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 173.

٣٧ / ١٢٠