التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٩لا بأس أن نختم سلسلة هذه النّصوص، التي أردنا من خلالها بيان أنّ تبادل الكتب بين المشرق والمغرب كان نشيطا بإيراد نصّين وردا من عمان، يثبتان وصول الصّحافة اليقظانيّة(1) إليها، يعدّ هذا في حدّ ذاته نوعا من تبادل النّشرات، ففي رسالة أرسلها المشايخ عيسى ومحمّد ابنا صالح الطّائيّين ويحيى بن عبد الله المشرفيّ، مؤرّخة بيوم 12 رجب 1345هـ إلى أبي اليقظان بعد إصداره جريدته الأولى "وادي ميزاب"، ووصول أعداد منها إلى عمان. أرسلوا إليه رسالة هنّؤُوه فيها بهذا العمل العظيم، وبما يقوم به في سبيل النّهوض بالشّعب الجزائري. جاء في الرّسالة بعد السّلام والتّحيّة: " … وقد سرّنا جدّا ما قمتم به من إنهاض الشّعب الميزابيّ وخدمته مادّيّا وأدبيّا، ونضالكم عنه في كلّ معترك حيويّ بإنشاء جريدتكم الغرّاء (وادي ميزاب) التي هي كلسان حاله ومفهوم حاله، فالحمد لله الذي وفّقكم لهذه الخطّة، وأوقفكم في هذا المشروع الجليل، ولعمري هي مرتبة يختصّ بها الأنبياء عليهم السّلام، ومن يقوم مقامهم في الأمم فطوبى لك ثمّ طوبى لك وشكرا لك، ولا شكّ أنّ قلوب الإخوان هناك توّاقة إلى أخبار إخوانهم هنا، والاطّلاع على أخبار البطل، صاحب الدّولة الوزير الأفخم الباروني أيّده الله وأعانه، وكيف سير الأحوال لديه."(2)
عن جريدة الأمّة لأبي اليقظان أيضا، وردت إلى الجريدة رسالة من عمان، تبارك أعمال الشّيخ أبي اليقظان، وتؤازر نشاط المصلحين في وادي ميزاب، وترجو النّجاح والازدهار للجريدة: "أمّا جريدة الأمّة الغرّاء، فهي لا تزال تصلنا بالبريد، وشوقنا إليها عظيم، ويعلم الله كم يحدث لنا من السرّور بورودها، حيث تكشف لنا عن خالص الودّ والعواطف القلبيّة، تطلعنا على ما يهمّنا الاطّلاع عليه من الثّقافة والرّقيّ، فزدنا من حديثك يا سعد، بارك الله نهضتكم، وحفظكم من كيد الكائدين. ولئن كان الجمود ضاربا أطنابه بهذه البلاد، وكان للجامدين لحدّ الآن الكلمة المسموعة في أغلب مظاهر الحياة هنا، إلاّ أنّنا نحن النّزر اليسير من المفكّرين نقدّر جهودكم، ونرى أنّ السّير ــ ولا شكّ ــ في هذا الزّمن بمقتضيات العصر من الضّروري لمن أراد الحياة في عزّ وسعادة، والله تعالى يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) والقوّة شاملة لكلّ ما دفع ضرًّا وجلب نفعًا، ولا يسعنا إلاّ أن نسأل الله الكريم لجريدة الأمّة الغرّاء بطول العمر والبقاء."(3)
هذان النّصّان يعبّران أصدق تعبير عن العلاقة العاطفيّة الحميمية، التي تربط أهل عمان وأهل ميزاب. في النّصّين تشوّق لمعرفة الأخبار والأحوال، وتبادل التّهاني، ومباركة النّشاط، ونصرة الإصلاح، والدّعوة إلى مضاعفة الجهود للوقوف في وجوه المعرقلين والجامدين. والنّصّان أثبتا تشابه الأوضاع في الجهتين، وأكّدا على وحدة المشاعر، وعلى النّيّة والرّغبة في تنسيق الجهود، وتوحيد الكلمة، وعلى التّعاون على بعث التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب …
من خلال ما ذكرناه، ومن الأمثلة القليلة التي عرضناها، يتأكّد لدينا حرص الإباضيّة في المشرق والمغرب على نشر كتبهم في المنطقتين معا، وعلى متابعة كلّ ما يصدر هنا أو هناك من جديد. بل إنّ
(1) - نسبة إلى الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان (1888 - 1973م) صحفي وشاعر وفقيه ومؤرّخ جزائري، أنشأ ثماني جرائد ما بين 1926 و1938م. هي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النّور، البستان، النّبراس، الأمّة، الفرقان. لمزيد من التّفاصيل ينظر الدّكتور محمّد ناصر وكتابه: أبو اليقظان وجهاد الكلمة.
(2) - "وادي ميزاب في عمان"، جريدة وادي ميزاب، ع: 28، 19 شوّال 1345هـ/ 22 أفريل 1927م.
(3) - "ماذا في عمان: جريدة الأمّة بعمان"، جريذة الأمّة ع: 168، يوم 24 ربيع الأنور 1357هـ/ 24 ماي 1938م، إمضاء مكاتبكم، مسقط.