التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤

تمهيد

إنّ التّعاون الثّقافي بين إِباضية المشرق والمغرب كان قائما منذ القديم في كثير من المجالات: في الفتوى والتّعليم والتّأليف والتّراسل والتّزاور … وما تزال هذه الصّلة الثّقافيّة قائمة إلى اليوم، في المجالات المذكورة وغيرها. قد يعتريها ضعف ووهن في بعض الفترات؛ نتيجة ظروف وعوامل خاصّة، إِلاّ أنّها لم تتقطّع، وهي اليوم تزداد وتتحسّن، وتتوثّق أكثر، يدعم هذا ويؤكِّدهُ ما جاء في جريدة الحياة الجزائريّة بعد اختتام أعمال اللّجنة المشتركة العمانيّة الجزائريّة في مسقط يوم:6. من شعبان 1414هـ الموافق لِـ 19 من جانفي 1993م. جاء في هذه الجريدة: وقد بحثت اللّجنة سبل تطوير علاقات التّعاون بين البلدين في مختلف المجالات: التِّجاريّة والاقتصاديّة والسّياحيّة، وكذا تعزيز التّعاون التّربوي والثّقافي بين البلدين … كما اتُّفِقَ على إرسال خبراء جزائريّين لسلطنة عمان، واستقبال طلبة عمانيّين في مصالح التّكوين الجزائريّة ..(1)

هذا التّواصل الثّقافي المتين، الذي حصل ويحصل بين إباضية المشرق والمغرب الإسلاميّين في مسيرة المذهب الإباضي الطّويلة، يمكن أن يلحظه الدّارس في الأصول التي تربط الإباضية في المغرب الإسلامي بعمان من حيث النّشأة الثّقافيّة والفكريّة والانتماء الإيماني والمذهبي والارتباط العاطفي، ومن حيث التّدرّج والتّقدّم في التّكوُّن والتّكوين والإعداد. كما يسجّله ويستنتجه الباحث من اعتراف أهل المغرب بفضل عمان في رعايتهم والعناية بهم، ومن ثمّ الاستعانة بهم في إرساء قواعد المذهب وأسسه في المغرب الإسلامي، والتّطلّع دائما إلى استمداد العون والقوّة من عمان لضمان الثّبات والاستمراريّة، وكذا الاستعانة بها في حلّ مشاكلهم السّياسيّة والماديّة والمذهبيّة؛ لكون عمان هي الموطن الأمّ للإباضيّة في العالم الإسلامي. ويلحظ الدّارس التّواصل الثّقافي في استمداد عمان الطّاقة الرّوحيّة والمعنويّة والتّأييديّة من المغرب؛ للنّهوض بالمذهب الإباضي، وخدمة الثّقافة الإسلاميّة.

كلّ ذلك جعل العلاقة الثّقافيّة أو التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر قائمين دائما. وكان لذلك أثره في توثيق الرّوابط وازدياد الصّلات بين الفريقين (إباضية المشرق وإباضية المغرب). وقد تعدّدت هذه العلاقات الثّقافيّة وتنوّعت، فمن رحلات علميّة وتبادل للزّيارات، قام بها علماء هذه البلدان، كلّ إلى بلد الآخر، ومن التقاء لهم على أرض مكّة في موسم الحجّ، حيث يجتمع علماء الإباضيّة من المشرق والمغرب، يتبادلون الرّأي والمشورة. ومن تبادل الكتب والمراجع العلميّة، ومن مناظرات علميّة، وطلب للفتوى فيما يستغلق عليهم فهمه من أمور الفقه والمذهب، إلى غير ذلك من الأمور التي أدّت إلى زيادة الرّوابط الفكريّة والثّقافيّة والعلميّة بين الجانبين.(2)

(1) - ينظر نصّ البيان المشترك الكامل، جريدة الحياة (الجزائر) ع: 192، الأحد 10 من شعبان 1414هـ /23 من جانفي 1993م،: ص:16.

(2) - عبد الحليم، الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، مطابع النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، سنة 1410هـ /1990 م، ص: 148

- الدّكتور فرحات الجعبيري، علاقة عمان بشمال أفريقيّة، ط1، المطابع العالميّة، رويّ، سلطنة عمان، ص: 55، يرى الدّكتور فرحات الجعبيري "ضرورة. إقامة دراسات مقارنة دقيقة بين المشرقيّة والمغربيّة؛ لنتبيّن ما بينهما من تكامل، لأنّها كلّها تقوم على أسس عقديّة واحدة.". المرجع السّابق، ص: 48.

٤ / ١٢٠