التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤٤خميس بن محمد السّيفي؛ ليكون أقرب إلى المطالعة).وقال: (أيّها الواقف على هذا الكتاب، إنّ كلّ ما كان مكتوبًا فوق الحواشي بالحمرة – زيادة في ترتيب الأبواب والفصول – فليس عن المؤلّف، وإنّما هو عن المعتني بترتيبه، كما ذكرناه أوّل التّرتيب) ".(1)
أمّا الأستاذ هلال بن علي بن هلال الحوسني فقام بنشر قصيدة متن القصيدة الرّستميّة للإمام أفلح بن عبد الوهّاب الرّستمي … سمّى عمله: " المِنَحُ السّنيّة في إعراب القصيدة الرّستميّة". قال في المقدّمة: " … فبعد أن ذكرتُ شيئًا من سيرته (صاحب المتن) وأخباره، وعرّفتُ بقصيدته، ذكرت القصيدة كاملة؛ حتّى يسهل حفظها، والرّجوع إليها للنّظر فيها.
ثمّ عرّجتُ على مفردات ألفاظها، فبيّنتُ مُبهمَها، وأوضحتُ مُشكلها، وبعدها تناولتُ البيتَ كاملاً، فأعربْتُ كلماتِه وجملَه، وسمّيتُ هذا العمل المِنح السَّنيَّة في إعراب القصيدة الرّستميّة."(2)
هذه نماذج من التّعاون في التّأليف بين المشارقة والمغاربة. منها يتبيّن لنا كيف كان يتتبّع بعضهم بعضا في تآليفهم بمختلف أوجه التتبّع، وطرق التّعقّب والتّعقّيب. إنّ هذا لا يدلّ إلاّ على شيء واحد، وهو التّلاحم الفكري والصّلة الرّوحيّة، التي ما تفتأ تنمو بينهم، وتتعزّز بمرور الزّمن.
نجد في سياق هذا العمل التّعاوني في التّأليف طلبات ودعوات من المشرق والمغرب إلى التّأليف والكتابة. نكتفي بإيراد مثالين ممّا ورد على الشّيخ الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش من طلبات ملحّة من عمان على التّأليف في موضوعات معيّنة. هذه الظّاهرة التي تكرّرت كثيرا مع الشّيخ اطفيّش تحتاج إلى تفسير، ليس هنا مقام تناول ذلك.
في رسالة بعث بها العمانيّون إلى الشّيخ اطفيّش، يطلبون فيها شرح قصيدة العبيريّة ثمّ لاميّة ابن النظر قالوا له: "فأمّا شرح اللاّميّة فنريد تفصيله على ثلاثة وجوه غير مشتركة، بل تجعلها بحوثا، الأوّل في إعرابه وما يلحق به من علم المعاني والبيان والمنطق، والثّاني في غريب لغته، والثّالث في معناه الظّاهر وخبره الشّاهر، يفهمه البادي والحاضر، وبيّن لنا في أوّلها مع ذكرٍ لأئمّة الدّين، ومن خالف سبل المهتدين شروط الولاية والبراءة …(3)
في رسالة أخرى بعث بها الشّيخ اطفيّش إلى العمانيّين، مستفسرا فيها عن طلبهم له تأليف كتاب، وكيف يكون: "أيّها الشّيخ سالم بن سلطان بن قاسم، وعلى جميع الإخوان من طلبة ومشيخة عمان، من كاتبه امحمّد بن يوسف اطفيّش، ومن الطّلبة كلّهم المزابيّين والجربيّين والنّفوسيّين، وبعد فإنّي وجدت في كتابكم أنّكم تطلبون كتابا مختصرا للمبتدئ، فكيف تطلبونه وعندكم كتاب الشّيخ درويش وأبي إسحاق الحضرمي من مشارقتنا، وكتاب الوضع من مغاربتنا. فإن كان ولابدّ فأخبروني على أيّ وجه يكون، أفي الأحكام أو في الدّيات أو في النّوعين جميعا …(4)
(1) - النّمير … ج8، ص: 366. ينظر المخطوط في مكتبة السّيّد محمد بن أحمد البوسعيدي، السّيب، سلطنة عمان.
(2) - هلال بن علي بن هلال الحوسني، المنح السّنيّة في إعراب القصيدة الرّستميّة، ط1، منشورات موقع البصيرة الإلكتروني، مسقط، سلطنة عمان، 1436هـ/ 2015م، ص: 7، 8.
(3) - رسالة موجودة في مكتبتي.
(4) - ممّا يلفت نظر الباحث، وهو يدرس العلاقة الثّقافيّة بين إباضيّة المشرق وإباضيّة المغرب، هذا العمل الكبير الذي قاموا به في نقل الكتب بين المشرق والمغرب، المتمثّل في نسخ الكتب، التي يؤلّفها علماء الجهتين، وأحيانا ينصّ فيها: إنّها هدايا أو وقف في سبيل الله للطّلبة أو لمن ينتفع بها. وهذه الكتب كلّها مخطوطة. يمكن الرّجوع إلى الأدلّة التي أعدّتها جمعيّة التّراث بالقرارة (الجزائر) للوقوف على الجهد الكبير الذي بذل في هذا المجال، مجال النّسخ؛ رغم ضعف الوسائل والإمكانات، إلاّ أنّ الرّغبة في نشر الفكر والعلم، والمثابرة في سبيل التّكوّن والإبقاء على التّواصل الثّقافي وتطويره كانت تتحدّى هذه الصّعوبات والظّروف ..