التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٥١يخبره فيها بإرسال نسختين من كتاب "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان"ج2 للإمام الشّيخ السّالمي (ت 1332هـ / 1914م).
أمّا أهمّ شخصيّة جزائريّة كانت لها مراسلات مكثّفة وكبيرة الجدوى ومتنوّعة الموضوعات ومع مختلف فئات المجتمع العماني: علماء ومشائخ وأئمّة وحكّاما وطلبة وعامّة النّاس … فهي الشّيخ الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش، التي تحتاج مراسلاته إلى بحث مستقلّ؛ لإبراز جانب من العلاقة الثّقافيّة والتّواصل الفكري بين المشرق والمغرب. ومن ثمّ إلقاء مزيد من الأضواء على مسيرة الفكر الإباضي، والوقوف على طبيعة البيئة التي ترعرع فيها هذا الفكر في إحدى مراحله، ومعرفة الجوّ الذي كان يتحرّك فيه العالم المجتهد، والفقيه الذي يسعى إلى خدمة أبناء الإسلام وثقافته بعامّة، ووعي الواجبات التي على العالم القيام بها نحو أمّته ومجتمعه، والتي لا تعفيه منها الظّروف التي يستمسك بها بعض النّاس ويتذرّع بها؛ فيتخلّوا عن هذه الواجبات. إنّهم في الحقيقة يفتقرون إلى الإرادة والعزيمة والقدرة على تخطّي العراقيل النّفسيّة والاجتماعيّة والماديّة.(1)
لقد كانت مراسلاته مع العمانيّين كثيرة جدّا، حتى ليتصوّر الباحث أن ليس للحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش من عمل سوى مراسلة العمانيّين. لقد أحصيت ــ فيما اطّلعت عليه ــ في سنة 1304هـ وحدها حوالي أربعين رسالة له من عمان، وهذه الرّسائل عبارة عن أسئلة تحتاج إلى إجابات علميّة ضافيّة، أو ردود لا تقبل الانتظار و التّأجيل، زيادة إلى ما تضمّنه الكتاب الذي جمعت فيه رسائله إلى عمان المسمّى "كتاب الكرب" وهو في جزأين، ويقع في أكثر من 500 صفحة.(2)
في افتتاحيّة إحدى رسائله ما يثبت ما قلناه؛ إذ يقول: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، سلام على الشّيخ العالم العارف، والمحبّ، جزاه الله على حبّه ما لا يوصف، عيسى بن صالح الحارثي، من كاتبه محمّد بن يوسف الذي لم تنقطع كتابته عن أهل عمان، إلاّ أنّها لا تصل لبعد المسافة واختلاف الاصطلاحات، فإمّا أن ترسلوا إليّ كتبكم وقماطر فارغة معنونا عليها بالخطّ العجميّ من طريق مسقط، وإمّا أن أرسل إليكم الأجوبة من جهة زنجبار في قماطر نحو الشّيخ سالم بن محمّد فقط. وإن ظهرت لكم طريقة أخرى صرت إليها، فهي أحرى وكذا الأجوبة عن سؤالات الشّيخ عبد الله بن حميّد، وقصدي ما يسرّكم ويفيد وبعد … "(3)
إنّ الرّسائل التي كان يراسل بها الشّيخ اطفيّش إخوانه في عمان تضمّنت مسائل في العقيدة والقرآن، والقراءات والحديث، وفي الفقه وأصوله، ومسائل في الحلال والحرام والعبادات والأخلاق والمعاملات والعلاقات، ومسائل في اللّغة والنّحو … إلاّ أنّ التّركيز كان كبيرا على جانب العقيدة؛ لأنّها الأصل في تثبيت الإيمان. وقد تناول مسائل العقيدة: تأصيلا لها، وتصحيحا لبعض المفهومات، وردّ
(1) - بدأت تظهر بعض الدّراسات الجادّة في الموضوع. ينظر مثلاً دراسة الدّكتور مصطفى بن محمد شريفي، الموسومة بـ: " قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان"، التي نشرها في ثلاث حلقات، في مجلة الحياة، (جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر) الحلقة الأولى: العدد الرّابع عشر، رمضان 1431هـ/ سبتمبر 2010م، ص: 22 – 50. الحلقة الثّانية، العدد الخامس عشر رمضان 1432هـ/ أوت 2011م، ص: 246 – 265. الحلقة الثّالثة، العدد السّادس عشر، رمضان 1433هـ/ أوت 2012م، ص: 183 – 201. ينظر أيضًا: أعمال الملتقى العلمي الأوّل حول تراث سلطنة عمان الشّقيقة قديمَا وحديثَا، جامعة آل البيت، المفرق، المملكة الهاشميّة الأردنيّة، سنة 2001م. بحث الدّكتور يحي صالح بوتردين: نموذج للعلاقات العلميّة بين الجزائر وعمان (من خلال مراسلات القطب اطفيش) ". و الدّكتور محمد بن قاسم ناصربوحجام: العلاقات الثّقافيّة بين عمان والجزائر (تبادل الرّسائل نموذجًا)." …
(2) - مع العلم أنّ للشّيخ مراسلات مع جهات أخرى من العالم الإسلامي، غير عمان، ومع تلاميذه وعلماء وادي ميزاب، وبعض الشّخصيّات الأخرى … إلى جانب تآليفه التي تعدّت المائة مؤلّف ..
(3) - كشف الكرب ج2، ص: 17.