التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٥٩في عدد آخر من جريدة الأمّة وتحت عنوان "ماذا في عمان؟(1) " تستمرّ الجريدة في الحديث عن تطوّرات الأحداث والحياة في عمان.
"أمّا حكومة جلالة السّلطان فهي تأخذ تدريجيّا بأهداب المدنيّة العصريّة، ويوجد لها دوائر للماليّة وللشّرعيّة وللعدليّة، وتوجد في العاصمة مدرسة على الطّراز الحديث. وقد أخذت الحكومة تشقّ الطّرق وتعبّدها لتسيير السّيّارات، إلاّ أنّ بعض رؤوس الجمود، اعترضوا ذلك وأبوا أن يروا مثل هذا النّوع من المواصلات العصريّة السّريعة تجوس خلال ديارهم، واختاروا عنها ظهور الإبل، فأقنعتهم الحكومة باللّغة التي يفهمونها بها، بوجوب العدول عن هذا الهوس، فأخلدوا للسّكون.
أمّا جلالة السّلطان فلا يزال في لندرة ــ كما علمتم ذلك من إذاعة الرّاديوـ وهو في صدد إبرام معاهدة تجاريّة اقتصاديّة بينه وبين بريطانيا العظمى.
أمّا عظمة الإمام الخليلي فهو بنزوى، قلب الدّاخليّة ينعم بالصّحّة، ويرفل في ثوب النّصر، ويتمتّع بالعزّة والهناء بعد أن اضطراب حبل الأمن قليلا في الدّاخليّة بهذه الأيّام. وذلك أنّه ثار عليه رئيس قبيلة العبريّين العالم الشّيخ إبراهيم العبري، لا لسبب مبرّر ولا موجب للخلاف، ولكن نزوعا للفتنة، وميلا لمطامع نفسانيّة ومقاصد شيطانيّة، واعتزاز بسواد قبيلته … أعزّ الله الإمام وأيّده على نصرة الحقّ، وإخماد أنفاس الباطل وتحطيم أصنام الجمود. "وفي العدد خبر عن حالة الجفاف والمحل اللّذين أصابا عمان. وآخر عن وصول جريدة الأمّة باستمرار إلى البلاد العمانيّة، ثمّ تعريض بالجمود الذي ضرب أطنابه في عمان.
إنّ ما سردناه من نصوص، وما عرضناه من الشّذرات التي نقلناها من صحافة أبي اليقظان عن أخبار السّلطنة والإمامة على السّواء، تكشف عن الرّباط المتين القويّ، الذي يربط الجزائر بعمان، وفي الوقت نفسه تدلّ على الرّؤية الوحدويّة، التي كانت تنظر بها الصّحافة اليقظانيّة إلى ما يحدث في عمان، وما يعتمل بداخلها؛ إذ أنّها كانت ترجو أن يكون عمان وحدة متماسكة، وبخاصّة على مستوى العلماء والحكّام، الذين هم قدوة الأمّة وقادتها.
إنّ تعامل الصّحافة اليقظانيّة إعلاميّا مع أبناء عمان بهذه الطّريقة له دلالته العميقة، ومغازيه الكبيرة، وكانت له انعكاساته الإيجابيّة في نفوس أبناء المغرب الإسلامي، الذين كانوا يقرأون هذه الصّحافة، أو يتعاملون معها بالمستوى، أو بالنّظرة التي تخدم الوحدة والتّآلف.
في غياب هذا التّعامل مع الخبر الإعلامي، وانعدام هذه الرّؤية إلى الأحداث، قد تكون النّظرة إلى عمان غير التي نشهدها اليوم، وقد كان يمكن أن تثمر العلاقة مع عمان ثمارا، لا تخدم الأهداف المرجوّة، ولا تساعد على هذا التّواصل الثّقافي الذي لا يفتأ يتطوّر ويتدعّم مع مرّ الأيّام.
كما أنّ النّصوص التي سردناها تعدّ وثائق تاريخيّة، أو على الأقلّ إشارات إلى تاريخ عمان بتفاعلاته وتطوّراته الإيجابيّة والسّلبيّة، وقد كانت هذه النّصوص التي تنقلها الصّحافة اليقظانيّة من الجرائد المشرقيّة، أو ما يفيدها به مكاتبوها … النّافذة التي يطلّ بها قرّاؤُها على عمان، الذين يتطلّعون دائما لمعرفة ما يدور فيها ويحدث.
ب ـــ أخبار سليمان الباروني الوزير في الصّحافة اليقظانيّة
اهتمّت الصّحافة اليقظانيّة بأخبار الشّيخ سليمان الباروني باشا (ت 1359هـ/ 1940م)، الذي قلّد منصب وزير الدّولة في حكومة الإمام محمّد بن عبد الله الخليلي. تابعت الأنباء الواردة عنه، ونشرت بعض التّهاني التي تلقّاها ــ شعرا ونثرا ــ بمناسبة تقليده الوزارة، نقلت بعض أنشطته في عمان، وبعض إنجازاته هناك.(2)
كتبت جريدة وادي ميزاب تحت عنوان: "سليمان باشا الباروني يعيّن وزيرا لمملكة عمان، تطوّر عظيم بعمان"(3) جاء في آخر المقال: "وبلسان القطر الجزائري عموما ووادي ميزاب خصوصا، يرفع (وادي ميزاب) على كاهل التّبجيل والاحترام إلى عظمة الإمام وعطوفة الشّيخ الباروني وبلاد عمان مراسم التّهاني الفائقة بهذا التّطوّر العظيم، ويرجو لهم من الله تعالى التّوفيق والتّسديد إلى أن يبلغوا بالعرب والبلاد العربيّة قمّة المجد والفخار، حتّى ترفل في حلل الجلال والكمال."(4)
كما نظم الشّيخ عيسى بن صالح الطّائي قاضي قضاة مسقط قصيدة هنّأ فيها سليمان الباروني بتقليده وزارة مملكة عمان، من بين ما ورد فيها:
أقومي إنّ للعليا رجالا … لهم في نيلها رأى وفكر
لها نحروا الكرى بنصال عزم … وفي وثباتها قصد - وكرّ
إذا ليل الغباوة مدّ سجفا … جلاه منهم علم وخبر
فكم ظلمات جهل قد محوها … كما يمحى من الأسفار سطر
سليمان أقم للدّين صرحا … لقد أودى به طمع مضرّ
وجدّد عهد من سلفوا ملوكا … أئمّتنا، لهم شأن وذكر
تخيّرك الإمام العدل فاخدم … رضاه، واثْبُتَنْ فلأنت بدر
ولا تحجم إذا استعصى جهول … تساوى عنده زيف وتبر
فطعم الماء في الأفواه عذب … وفي فم من به الأسقام مرّ
فهذا القطر قم فيه عزيزا … يحفّك من إله العرش نصر(5)
في عددي 19 و57 من جريدة وادي ميزاب أخبار عن أعمال الشّيخ الباروني باشا ونشاطه، وعن حالته الصّحيّة، وما أصيب به من الفالج "حتّى تُدورِك بالعلاج المعروف عندهم لهذا الدّاء، ولازم محلاّ واحدا في الحصن محفوظا عن الهواء إلى أن شفي شفاء تامّا، بعد نحو عشرين يوما.(6)
من بين النّصوص التي نشرت في الصّحافة اليقظانيّة "سعادة الباروني باشا في جرائد مصر"(7) "وفي شرق بلاد العرب وزارة سليمان باشا الباروني في عمان"(8) و"كبير شعراء عمان يهنّئ سعادة الشّيخ الباروني للشّاعر أحمد بن سلطان آل سليم"(9).
(1) - م. س، ع: 168، (24/ 5 / 1938 م). أرسل بهذه الأخبار مراسل الأمّة بمسقط
(2) - عن بعض تفصيلات في هذا الموضوع، ينظر الشّيخ عيسى بن صالخ الطّائي العماني، القصائد العمانيّة في الرّحلة البارونيّة، راجعه وصحّحه سلطان بن حبارك بن حمد الشّيباني، ط1، نشر ذاكرة عمان، مسقط، سلطنة عمان، 1434هـ/ 2013م.
(3) - جريدة وادي ميزاب، ع: 4، (22/ 10 / 1926 م).
(4) - م، س، ن.
(5) - م. س، ع: 9، (26/ 11 / 1926 م). القصيدة مؤرّخة بيوم 3 من صفر 1345 هـ.
(6) - م. س، ع: 57، (17/ 11 /1927 م).
(7) - م. س، ع: 13، (25/ 12 / 1926 م). نقلته جريدة وادي ميزاب عن مجلّة الشّورى في عددها: 108.
(8) - م. س، ع: 18، (28/ 1 / 1927 م). نقلته جريدة وادي ميزاب عن مجلّة المنهاج لأبي إسحق اطفيّش.
(9) - م. س، ع: 24، (18/ 3 / 1927 م).