التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٧٦

ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه، وعجائب الأخبار، وذكر مناقب المجتهدين من مجاهدين في سبيل الله وأنصاره، ونبذه على مثالب من بدا منه إقصار … " (5) وقال عنه الشّماخي (ت 928هـ /1522م): "إنّه المقيّد غرائب الفقه وعجائب الأخبار، ساد الفضلاء علما وحفظ الآثار … " (6) وقال الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي: " … بأنّه واسطة العقد بين علماء أهل المشرق وعلماء أهل المغرب." (7)

لقد تسلسل هذا الدّور في أبنائه وأحفاده، وظهر جليّا في تلاميذهم، وفي الكتب المؤلّفة. وبرز في كثير من الأصعدة والمجالات المعرفيّة والعلميّة. وامتدّ في من جاء بعدهم من العلماء عبر العصور، وانتقل إلى كثير من الأنحاء والبقاع في العالم، منها المغرب الإسلامي، الذي نحاول أن نبيّن فيما يأتي بعض هذا الدّور من خلال علاقة أحد أفراد هذه الأسرة المتميّزين الشّيخ محمّد بن محبوب بن الرّحيل (ت 260هـ / 873م) بهذا الجناح الغربي من العالم الإسلامي.

أبو عبد الله محمّد بن محبوب بن الرّحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي (8) عالم وفقيه، بل هو شيخ زمانه، ومرجع الفتوى في عصره، أخذ العلم عن شيخه وصهره الشّيخ موسى بن عليّ (ت 230هـ/845م). كان هو والبشير بن المنذر (عاش في القرنين الثّاني والثّالث الهجريّين) ممّن قام بالبيعة للإمام الصّلت بن مالك (ت 273هـ/887م) عام: (237هـ/852م) (9)، تقلّد في عهده القضاء على مدينة صحار وتوابعها سنة: 251هـ. كان له دور كبير في إرساء دعائم الإمامة الثّانية في عمان (10) كما كان لأفكاره تأثير كبير في مجريات الأحداث الفكريّة والسّياسيّة في عمان. وهو يتميّز بالصّلابة في المبادئ والمرونة في التّعامل والتّحرّك (11) وكان يميل إلى التّيسير على النّاس والأخذ بأرفق الأوجه، مع الاحتياط في الدّين. هذا من تمام قوّة شخصيّته وغزارة علمه، وثقته بنفسه، وهو ما أهّله كي يحوز على إمامة المسلمين العلميّة.

لوجوده في صحار يمّم كثير من أبناء عمان وجوههم شطر هذه المدينة لينهلوا من علمه، وقد تخرّج في مدرسته الكثير من العلماء الذين أسهموا في الحركة العلميّة في عمان وغيرها. (12) بل كان له سبق في مجال التّأليف كما يشير إلى ذلك الدّكتور مصطفى بن صالح باجو: "يوجد في المكتبات المغربيّة مخطوط نفيس لابن محبوب، لم أعثر على ذكره لدى المشارقة ــ ولا أدَّعي الاستقصاء ــ وهو بعنوان (أبواب مختصرة من السّنّة) ويعتبر هذا المخطوط مصدرا ثمينا لكونه يمثّل بواكير التّأليف الأصولي عند الإباضيّة، بل لا نعدو الحقيقة إن قلنا إنّه نموذج ناضج لمؤلّفاتهم في علم الأصول. فقد تضمّن تفصيل مصطلح السّنّة، ومدى التّوسّع في استعمالها، والاحتجاج به في مختلف أبواب الفقه. والطّريف أنّه توسّع في دلالة المصطلح، فاعتبر كلّ ما جاء الشّرع بحكمه أنّه من السّنّة، سواء ورد به الكتاب أم الحديث أم كان عن رأي واجتهاد، ما دام الكلّ مشروعا بسنّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الموحى إليه. ويذكر أحيانا مسائل ثبتت بالسّنّة، ويؤيّدها الإجماع أو القياس." (13)

إنّ شهرة هذا العالم لم تقتصر على عمان بل تعدّتها إلى غيرها كمنطقة المغرب الإسلامي، بل إنّ شهرته العلميّة "لا تقلّ عنها في عمان، ولهذا رجع إليه المغاربة في الكثير من المسائل التي تعنّ لهم، رغم ما اشتهرت به الدّولة الرّستميّة من وجود العلماء فيها." (14) وقد تجلّت هذه الشّهرة في هذه العلاقة، التي كانت تربط الشّيخ بالمغاربة، وفي هذا التّعلّق الذي أبدوه نحوه. من مظاهره اللّقاء العلمي والتّاريخي الذي حصل في مكّة بين الشّيخ محمّد بن محبوب والشّيخ أبي حفص عمروس بن فتح المغربي (ت 283هـ/896م). هذا اللّقاء الذي ما فتئت المصادر الإباضيّة تنوّه بقيمته العلميّة حيث "ذكروا أنّ عمروسا وأصحابه توجّهوا إلى بلاد المشرق حجّاجا، فلمّا نزلوا مكّة وجدوا بها محمّد بن

٧٣ / ١٢٠