التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٧٧

محبوب رحمه الله، فدخلوا عليه في مجلس فوجدوه مع أصحابه، فسلّموا عليه، فهشّ بهم وقرّبهم إجلالا بالجنس، دون معرفة الأشخاص. فلمّا تبوّؤوا مقاعد المذاكرة، سأل عمروس أبا عبد الله عن مسألة، فقال ابن محبوب إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السّؤال إلاّ عنه، ولا يرد إلاّ منه. فقالوا له: إنّه هو السّائل، فرفع ابن محبوب مجلس عمروس لمّا عرفه، وزاد دنوّه من مجلسه، ثمّ جعل عمروس يسأل في مسائل الدّماء عن مسألة بعد مسألة، حتّى قال له ابن محبوب: هذا من مكنون العلم، لا يعلن به في قوم جهّال. فعند ذلك قال عمروس لأصحابه احفظوا السّؤال وأحفظ لكم الجواب، حتّى نقدم على إخواننا. فنخبرهم بما حفظنا، ففعلوا، فلمّا قدموا بلادهم قال لهم عمروس: هلمّ ما تكفّلتم به، فقالوا لم نحفظ شيئا سوى قولك احفظوا المسائل لنرد بها على إخواننا. ثمّ إنّ عمروسا أعادها مسألة فمسألة عن آخرها." (15)

هذا اللّقاء الذي تمّ بهذه الكيفيّة، ودار فيه هذا الحوار العلمي كشف عن العلاقة الثّقافيّة المتميّزة بين الجناحين المشرقي والمغربي. وأبان عن غزارة علم الشّيخ محمّد بن محبوب، وأبرز مكانته في مسيرة الفكر الإسلامي. ذلك أنّ عالما كبيرا كعمروس بن فتح يتعلّم ويستفسر عن مسائل علميّة في مجلس الشّيخ ابن محبوب. ودلّ اللّقاء على تعلّق المغاربة بإخوانهم المشارقة … لهذا كما قال الأستاذ محمّد بن ناصر المنذري "رجع إليه المغاربة في الكثير من المسائل التي تعنّ لهم، رغم ما اشتهرت به الدّولة الرّستميّة من وجود العلماء بها." (16)

علاقة الشّيخ ابن محبوب بالمغرب الإسلامي تبدو في هذا الإعجاب الذي أبداه المغاربة بآثاره الفكريّة. فجامعه الذي يتألّف من سبعين جزءا كان محلّ تقدير العلماء المغاربة. يروى أنّ أبا محمّد "ويسلان" المغربي كان يقرأ على أبيه أبي صالح "أبي بكر بن قاسم الهيراسني" مختصر ابن محبوب، وكان أبو صالح يقول: كلام محقّق فقيه أصولي (17)

كما تبدو العلاقة بين الشّيخ ابن محبوب والمغاربة ــ أيضا ــ في السّيرة التي أرسلها إليهم. (18) وقد عالجت السّيرة أكثر من خمسين مسألة: في العقيدة والفقه والأخلاق والسّياسة الشّرعيّة والحدود، وتناولت موضوعات أخرى كالارتداد والتّقيّة والغزو والجهاد … وقد دعا فيها الشّيخ إلى الالتزام بمسالك التّقوى، وإلى طاعة الأئمّة. كما كان لهذه السّيرة أثرها في القضاء على فتنة خلف بن السّمح. (19)

زخرت السّيرة بفقه غزير، وأحكام شرعيّة مهمّة، كشفت عن قدرة صاحبها العلميّة، وتميّزه الفكري، وسجّلت ريادته في تقرير بعض الحقائق، وتأصيل بعض المسائل، وأبرزت استقلاله النّظري … لهذا حاز الشّيخ الإعجاب والتّقدير، واتّخذ قدوة وإماما.

إنّ السّيرة في حاجة إلى دراسة تحليليّة معمّقة؛ لما تضمّنته من علم كبير، وما عرضته من قضايا سياسيّة ومسائل فقهيّة، وما أثارته من أسئلة مهمّة … افتتح الشّيخ محمّد بن محبوب السّيرة بقوله: "إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب، من أخيهم محمّد بن محبوب، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو حمدا كثيرا، وهو لذلك أهل، وأسأله الصّلاة على محمّد صلّى الله عليه وسلّم تسليما، أوصيكم بتقوى الله وذكره كثيرا، وذكر ما أنتم إليه صائرون، وعليه موقوفون، وعنه مسؤولون، وأحثّكم على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظكم عليه من أمانته، وافترض عليكم من عبادته؛ بإتيان ما به أمر، والانتهاء عمّا عنه زجر، فيما أخذ عليكم من الميثاق، ورضي لكم به من أخلاق، من ترك المحارم، والكفّ عن المظالم، واجتناب الكبائر، والعمل على البصائر، في آناء اللّيل

٧٤ / ١٢٠