التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٧٨

والنّهار، والعلانيّة والإسرار، فإنّ ذلك أحقّ ما كنتم له طالبون، وفيه راغبون، وعليه مواظبون، قبل انقطاع آمالكم وحلول آجالكم، وما توفيقي وإيّاكم إلاّ بالله، أمّا بعد … " (20)

بالتّأمّل في موضوعات الرّسالة نقرأ الرّغبة الصّادقة في الانطلاقة الحسنة والثّابتة التي أرادها المغاربة في مسيرتهم، فهم كانوا يسألون عن أمور وأساسيّات مطلوبة في مجال التّكوين والإعداد، والبدء في الحركة والنّشاط، حتّى تكون الانطلاقة على أساس سليم، تصدر عن وجهة نظر الدّين الإسلامي.

"إنّهم استشاروا مجتهد الأمّة وعالم الإباضيّة فيما أشكل عليهم واستجدّ في السّاحة، الذي فرضه الواقع المعيش، والنّشاط الذي بدأوا يقومون به." (21)

يعلّق الدّكتور فرحات الجعبيري على المسائل التي وردت في سيرة محمّد بن محبوب: "إنّ التّحليل الحضاري لهذه المسائل يثبت أنّ البيئة الإباضيّة في المشرق والمغرب عرفت من التّعقيد الحضاري الشيء الكثير، ذلك أنّها دبّ فيها الخلاف الدّاخلي، وهو من أكبر عوامل الوهن، إلى جانب ما تواجهه على الجبهة الخارجيّة من ضغط الدّولة العبّاسيّة … ومثل هذا المحيط من الصّراع الدّاخلي من شأنه هو الآخر أن يثير عديدا من القضايا الدّقيقة في شأن أولي الأمر، خاصّة وأنّ الفكر الإباضي اتّسم من يومه الأوّل بالتّحرّي الكبير في شأن هؤلاء، وكانت ثورتهم حيثما قامت ثورة على الظّلم والظّالمين، مهما قلّت نسبة هذا الظّلم." (22)

ما يثبت ذلك الرّسالة التي أرسلها بعض فقهاء المسلمين بالمغرب إلى الإمام الصّلت بن مالك. (23) وقد تزامنت مع رسالة الشّيخ ابن محبوب. وهي "لا تخرج عن المسار والدّائرة التي دارت فيها رسالة محمّد بن محبوب في الرّوح التي تحملها، والأفكار التي تناولتها، والموضوعات التي عرضت لها، والأسباب الدّاعية إلى كتابتها. فقد كتبت في موضوع الاختلاف والشّقاق والتّنازع والتّشاجر والفتنة، ثمّ الدّعوة إلى الائتلاف والاتّحاد. وقد تطرّقت إلى موضوع الإمامة وشروطها، وما يتعلّق بها، وأحكام الولاية والبراءة .. " (24)

على العموم إنّ سيرة الشّيخ أبي عبد الله تثير مجموعة من الأسئلة، في حاجة إلى إجابات مقنعة وصريحة ومسؤولة. منها:

أ ــ لماذا سمّيت بالسّيرة وهي تتضمّن آراء وأحكاما شرعيّة، وهي لا تحمل صبغة السّير التي تعبّر عن وجهة النّظر الشّخصيّة في الأحداث؟

ب ــ من الذي أرسل هذه الأسئلة إلى الشّيخ محمّد بن محبوب؟ ما صفته؟ ما هو الدّافع إلى ذلك؟ هل أرسلت رأسا إلى أبي عبد الله كما ذكر أحمد العبيدلي: "ضمّت الرّسالة الأصليّة التي بعث بها بعض إباضيّة المغرب مسائل لمعرفة آراء إباضيّة المشرق، وهو تقليد درجوا عليه" (25) هل كتبها الشّيخ ابن محبوب على لسان الإمام الصّلت بن مالك كما ذكر ذلك الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم: " … يستفاد ذلك ممّا رواه لنا أبو عبد الله في كتابه بيان الشّرع أنّ محمّد بن محبوب بن الرّحيل كتب لأهل المغرب كتبا على لسان الإمام الصّلت بن مالك." (26)

جـ ــ لماذا لم يشر الإمام أفلح الرّستمي إلى هذه السّيرة، وقد كتبت في عهده أو في عهد أبيه، بينما أشاد بسيرة أبيه: أبي سفيان محبوب بن الرّحيل؟

د ــ لماذا لم ترد هذه السّيرة في المصادر المغربيّة؟

هـ ــ يقول الأستاذ أحمد العبيدلي: "فمن بين أبرز مواقف محمّد بن محبوب كونه يبرأ من الإمام المهنّا، ربّما بسبب الأحداث التي جرت حين حادثة مواجهة بقايا أسرة آل الجلندي، والفظائع التي

٧٥ / ١٢٠