التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٩٠

أرض مقدّسة، قد بوركت وزكت … تنصب فيها من الأوار معنان

ما طار طائرها لله … محتسبا … له جناحان … إيقان وعرفان

إلاّ وقام يمين الله ساعده … والفتح والنّصر والتّأييد … أعوان

ميمونة بركات الله … تنفحها … واليمن يثمره علم … وإيمان

هذا ما شجّعني على مضاعفة الاحتكاك بأهلها، كبارا وصغارا، علماء وطلبة، شيبا وشبّانا … ودفع بي إلى المشاركة الواسعة في أنشطتها، والإدلاء بآرائي في كثير من القضايا التي تهمّ المدينة، وكان الجميع يستمع إليّ ويطلبني في كثير من المناسبات. وقد عددت نفسي أحد أبنائها. وهو ما حسبته مفخرة لي، أن ارتبط بالبلد الطيّب، الذي يخرج نباته بإذن ربّه، وأن أندفع إلى مصاحبة الرّجال الكرام، ومجالسة النّاس العظام، الذين يحسنون صنعا، ويكثرون نفعا. لقد أحسست أنّ نزوى أصبحت جزءا منّي، وقد أكّد لي ذلك علامات الحزن والأسى، وأمارات الأسف والحسرة، التي أبدتها مختلف شرائح المجتمع النّزوى؛ حين قرّرت العودة إلى بلدي، والأوبة إلى مهدي. وقد نطقت هذه الفئات بكلمات رقيقة، ونبست بعبارات لطيفة، وهمست بأحاديث مؤثّرة، كلّها ثناء وشكر ورجاء أن أعدل عن قرار الرّحيل عنهم، فكادت هذه المواقف وهذه العواطف أن تؤثّر فيما عزمت عليه، لولا تذكّري قول الشّاعر:

إذاإذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإنّ فساد الرّأي أن تتردّدا

قرّرنا الأوبة إلى البلد، فلم يكن هناك مجال للتردّد. إنّ التّذبذب في اتّخاد القرار ليس من شيمة الرّجال الأحرار، بخاصّة في المواقف المصيريّة، وفي المواطن الحسّاسة. وقد أثّر فيّ كلّ ذلك، وقلت في نفسي من أنا حتّى أعامل بهذه المعاملة، ومن أكون حتّى أحظى بهذه المكانة. وقلت: أيضا هذه رسالة موجهّة إليك لتواصل المسيرة في السّبيل الذي أنت بادئه، وتبقى على النّهج الذي أنت سالكه، ولا تتأخّر عن الرّكب. فسّرته بتعلّق أهل عمان بإخوانهم المغاربة، الذين تربطهم بهم أواصر القربى والمودّة والمصالح، فكانوا يرون في الشّخص أو الفرد المغربي الذي يزورهم، أو يعيش بين ظهرانيهم سفيرا يحمل إليهم رسالة من أهل المغرب، ويحمل منهم أخرى إليهم، رحيله عنهم يعطّل القيام بهذه الرّسالة. فحمدنا الله أنّنا من هذا الصّنف. نرجو أن نكون قد قمنا ببعض هذا الواجب، نطلب الله القبول والتّوفيق في إكمال المسيرة.

أهل نزوى فيهم خير كثير، وبهم طيبة كبقيّة الشّعب العماني، الذي سجّل له هذه المكرمة القاصي والدّاني، الحالّ فيهم والمرتحل. المقيم فيهم والمنتقل:

عمان معدن الخير، كمين الـ … مكارم، طالها أدب ورشد

يتميّز أبناؤها بالرّوح الاجتماعيّة، التي تحفظ المجتمع من التّلاشي، وتعين على العيش في أمن وسعادة، ووئام وانسجام.

٨٧ / ١٢٠