التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٩١

تأكيدا لهذه المحبّة التي أكنّها لأهل نزوى، وعملا بمقولة " صديقك من صَدَقَك وليس من صَدَّقك " أريد أن أوجّه رسالة إلى أبناء هذه البلدة الطّاهرة، تحمل طابع الملاحظات والمقترحات، وتصبّ في خانة الحرص على الارتفاع بمكانة نزوى التّاريخيّة، وتهدف إلى العودة بهذه المدينة إلى سالف عهدها التّليد؛ مدينة لها وزنها في عمان بعلمائها وعلمها وحضارتها، وثقلها الأدبي والاجتماعي والاقتصادي …

اشتهرت نزوى بأنّها مدينة الأئمّة والعلماء، مدينة أسهمت في بناء مجد عمان، مدينة قدّمت جهودا مهمّة في تقدّم الوطن. هذه المكانة بدا عليها الوهن والتّغيّر في الحقب المتأخّرة، لست أدري ما هي الأسباب، إلاّ أنّي أقدّم نظرتي وانطباعي عنها، عسى يكون ذلك محفّزا على النّهوض بهذه المدينة العريقة في نشأتها، وفي إسهاماتها العلميّة والحضاريّة.

لاحظت أنّ النّشاط العلمي والفكري ناقص في نزوى، مقارنة بما كانت عليه في سالف عهدها، وبالنّظر إلى ما يشهده العالم اليوم من تقدّم ونموّ مطّردين، رغم كون شباب نزوى يحاول القيام بما راه فرضا عليه، ويبذل قصارى جهده في تطوير النّشاط؛ بإقامة النّدوات، وإعداد المحاضرات، وإنشاء المكتبات، وتضييف العلماء، وتحريك العمل المسجدي … إلاّ أنّه كان يتعثّر كثيرا؛ بسبب غياب التّوجيه والإرشاد والأخذ بيده. هذه المهمّة هي من واجب علية القوم، وسراة الأمّة، الذين كان غيابهم عن هذا الميدان واضحا، وابتعادهم عن هذ الدّور بارزا.

توجيه النّشاط وتثمين العمل، وتشجيع المبادرات، وتقويم الحركة، والتّنسيق بين فئات المجتمع، وتوحيد الرّؤى في القضايا المصيريّة، والرّبط بين المبادئ والأهداف؛ لضمان السّير في الطّريق المستقيم … كلّ ذلك موكول أو منوط بقيادة حكيمة رشيدة، تكون على رأس المجتمع، هذا ما تعلّمناه من دروس الحياة، وما ثقفناه من مسيرة العاملين في ميدان الإصلاح والدّعوة والتّوجيه، وهذا ما أكّد عليه علماء الاجتماع والتّربية. إنّ هذا الدّور غائب في عمل أبناء نزوى، ومفقود في برنامج علية القوم فيها.

المدينة تفتقر إلى المكتبات العامّة، المجهّزة بأحدث وسائل التّثقيف والتّكوين والإعداد، ممّا يكرّس الجهل والأميّة في النّشء، ويجعل من مطلب التّعلّم والتّثقّف والتّنوّر والتّفتّح شيئا غير مرغوب فيه، أو هو منبوذ أصلا. فالمشايخ والأساتذة والدّكاترة والطّلبة الذين يعدّن بالمئات في المدينة، لا يجدون بغيتهم في البحث والدّراسة، ولا يعرفون أين يصرفون أوقاتهم، ولا كيف يتصرّفون حين يطلبون مزيدا من البحث والقراءة، وحين ينشدون جديدا في عالم الكتب والنّشر. حتّى المكتبات التّجاريّة بالمقاييس العلميّة، وبالمواصفات العصريّة، التي تزوّد القارئ بالجديد في عالم المعرفة غير موجودة. فكيف ننتظر من الشّباب أن يتكوّن، فضلا عن أن يتطوّر، أو يشارك في ازدهار البلدة وتقدّمها؟! وكيف نطلب السّير في سواء صراط الفطرة إذا كان هذا هو حال البلدة ومن يقطن فيها؟!

المدينة متعطّشة إلى ملتقيات فكريّة، وندوات علميّة، ولقاءات ثقافيّة، تمسّ مختلف جوانب المعرفة الإنسانيّة، وتخدم عمليّة بناء الإنسان، الذي يتطلّب الشّموليّة في هذا التّشييد، والعمق في هذا التّأسيس. طاقات الشّباب غير مستغلّة كما ينبغي، نهمهم في طلب العلم والثّقافة الأصيلة المطلوبة في الإعداد غير مشبع، رغبتهم في التّوجيه السّليم غير موجود، نشاطهم وحماستهم غير مؤطّرين …

إنّ المدينة تطلب تحرّكا في الاتّجاه الصّحيح، يبعث على النّهوض، ويوفّر الجوّ للعمل الهادف المؤسّس، ويرفد نشاط الشّباب والمخلصين، ويشجّع المبادرات التي تأتي من هنا وهناك، ويهيّئ البيئة التي يتحرّك فيها من يريد أن يعمل. إنّ ذلك ما يساعد على الارتقاء بالمدينة إلى مكانتها الحقيقّة في

٨٨ / ١٢٠