الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١١٩المشقة، والمشقة تختلف باختلاف الأحوال والناس، فالحكام والأغنياء مثلاً لا ينانهم من المشقة في السفر ما ينال الرعية والفقراء، والمشقة في زمن الصيف تختلف عن المشقة في زمن الشتاء، والسفر على الطائرات غير الركوب على الجمال. ومشروعية قصر الصلاة في السفر، حكمتها دفع المفسدة التي هي المشقة، غير أن هذه المشقة أمر اعتباري يختلف بالنسبة للأشخاص والظروف والأزمان والأماكن، فلا يمكن جعل المشقة مناطاً للحكم وهو الترخيص في قصر الصلاة، ولكن لما كان السفر مظنة هذه المشقة، وهو أمر ظاهر منضبط، جعل السفر علة لإباحة القصر كما هو علة لإباحة الفطر.
وتحريم الخمر: حكمته دفع الضرر عن الناس، غير أن الضرر أمر تقديري يختلف باختلاف الأشخاص، فجعل الإسكار الذي هو أمر ظاهر منضبط علة للتحريم بحيث يقاس عليه كل مسكر. وتشريع القصاص من القاتل: حكمته هي المحافظة على حياة الأفراد، غير أن هذه الحكمة قد لا تتحقق أحياناً، فجعلت العلة هي القتل العمد العدوان، باعتباره وسيلة لتحقق الحكمة السابقة.
ونظراً لخفاء حكمة التشريع أحياناً، وعدم انضباطها أحياناً أخرى قرر جمهور الأصوليين منع التعليل بالحكمة مطلقاً، سواء أكانت خفية أم ظاهرة، منضبطة أم غير منضبطة، وحينئذ يلتمس للتعليل وصف ظاهر منضبط يدور مع الحكمة أو يغلب وجودها عنه، أي إن المطلوب هو أن يكون الوصف مظنة لتضمنه الحكمة، وعندئذ ينبني الحكم عليه ويرتبط وجوده بوجوده وعدمه بعدمه، وهذا هو معنى قول الأصوليين: إن الحكم يدور مع علته لا مع حكمته وجوداً وعدماً، أي إن الحكم يوجد حيث توجد علته، ولو تخلفت حكمته، وينتفي حيث تنتفي علته، ولو وجدت حكمته، فالسفر في رمضان مثلاً علة تجيز الفطر وقصر الصلاة كما تبين، حتى وإن انتفت الحكمة وهي المشقة، بأن كان السفر مريحاً لا مشقة فيه، أما غير المسافر أو المريض: فلا يجوز له الفطر أو القصر، حتى وإن كان في عمله مشقة كالخباز والوقاد ونحوهما، لانتفاء علة الجواز وهي السفر أو المرض، رغم أن الحكمة وهي المشقة موجودة، وبه يظهر أن الحكم الشرعي يرتبط بمظنة وجود العلة، وليس بالمئنة أي أنه يكفي حصول الظن الغالب بتوفر العلة، ولا يشترط تيقن وجودهما، فالمظنة أقيمت مقام المئنة.
119