الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

(1)

وأنت تلاحظ من تعريف السبر والتقسيم، ومن هذه الأمثلة. أن عملية التقسيم وهي حصر الأوصاف التي يمكن أن تصلح للعلية مقدمة عند المجتهد على السبر، فالسبر يجيء بعدئذ، لأنه كما عرف هو اختبار هذه الأوصاف التي حصرها ليتعرف ما يكون منها صالحاً للعلية بعد قيام الدليل على عدم صلاحية سواه، لهذا قال بعض الأصوليين: من الأجدر أن يسمى هذا الطريق التقسيم والسبر لكني لا أرى ذلك، لأن الأهم والأدق في عملية إثبات العلة هو اختبار الأوصاف بإلغاء ما لا يصلح منها للتعليل، فيقدم في اللفظ اعتناء بشأنه، مثاله. أن يقول المجتهد: «تحريم الخمر بالنص إما لكونه من العنب، أو كونه سائلاً، أو كونه مسكراً»، لكن الوصف الأول قاصر، الثاني طردي غير مناسب، فبقي الثالث وهو الإسكار، فيحكم بأنه علة وعملية السبر والتقسيم يختلف المجتهدون في النتيجة الحاصلة منها، بسبب تفاوت عقولهم في إدراك أن المناسب هذا الوصف أو غيره، فمثلاً الحنفية والمالكية خالفوا الشافعية في مثال الربا السابق، فقال الحنفية: العلة في تحريم الأموال الربوية القدر (الكيل أو الوزن (مع اتحاد الجنس، وقال المالكية: العلة هي القوت والادخار مع اتحاد الجنس، وقال الشافعية: العلة هي الطعم مع اتحاد الجنس، وقد عرف مسلك الشافعية في إثبات هذه العلة.

أما مسلك الحنفية فيقول المجتهد منهم: علة تحريم الربا في الشعير مثلاً إما كونه مما يضبط قدره (لأنه يضبط بالكيل)، وإما كونه طعاماً، وإما كونه مما يقتات به ويدخر، لكن كونه طعاماً لا يصلح علة، لأن التحريم ثابت في الذهب بالذهب، وليس طعاماً، وكونه قوتاً لا يصلح أيضاً، لأن التحريم ثابت في الملح بالملح وليس قوتاً، فتعين أن تكون العلة كونه مقدراً، فيقاس على المنصوص عليه كل المقدرات بالكيل أو الوزن، ففي مبادلتها بجنسها يحرم ربا الفضل والنسيئة، أما مسلك المالكية فقريب من مسلك

الشافعية.

والخلاصة: أن المجتهد يبحث في الأوصاف الموجودة في أصل القياس، ويستبعد ما لا يصلح منها علة، ويستبقي ما يصلح على حسب رجحان ظنه، مراعياً تحقق شروط العلة السابق ذكرها.

(1) راجع محاضرات في أصول الفقه للزفزاف (26) من بحث القياس، وقال الإسنوي في شرحه على المنهاج) للبيضاوي (85/ 3): (الأولى أن يقدم التقسيم في اللفظ، فيقال:

التقسيم والسبر، لكونه متقدماً في الخارج) أي في الواقع.

129