الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١٤٥ومذهب الأصحاب الأخذ به، قال نور الدين السالمي: وأنت إذا تأملت مذهب الأصحاب رحمهم الله تعالى وجدتهم يقبلون هذا النوع من المناسب ويعللون به لما دل عليه مجملاً، أي وإن لم يدل دليل على اعتباره بعينه أو جنسه، فإن الأدلة الشرعية دالة على اعتبار المصالح مطلقاً، كما في قوله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهُمْ فَإِخوانكم والله يعلم المُفسد من المصلح (1)، مع أن المقاصد الشرعية إنما اعتبرت المصالح جملة وتفصيلاً، فينبغي إلحاق ما لم يعلم اعتباره منها بما علم اعتباره لعلمنا بمراعاة الأصلحية منه تعالى تفضلاً على خلقه وتكرماً على عباده لا وجوباً ولا إيجاباً، فمن ذلك جعل بعض الأصحاب الميراث للمطلقة في المرض ثلاثاً لئلا ترث منه قياساً على حرمان القاتل الميراث بجامع أن كل واحد من التطليق المذكور والقتل فعل محرم لغرض فاسد، فإن الشرع لم يعتبر إثبات ميراث لمن لا ميراث له لأجل صدور ما يسقط به لقصد إسقاطه، فلم يعتبر الشرع عين هذه العلة ولا جنسها في عين إثبات الميراث ولا جنسه، والأصحاب اعتبروا ذلك فعارضوه بنقيض قصده حتى يصير الحكم بتوريث المبتوتة معارضاً له بنقيض قصده كحرمان القاتل عمداً معارضة بنقيض قصده، فإن قصد المطلق ثلاثاً في المرض حرمان الميراث وقصد قاتل موروثه استعجال الميراث له فكان مناسباً كما ترى، لكن الشارع لم يعتبره في واحدة من الحيثيات المتقدمة، فكان مناسباً مرسلاً (2) وسيأتي تفصيل بمواقف الفقهاء والأصوليين من الأخذ بالمصالح المرسلة، عند حديثنا عنها في الفصل الخاص بها من الكتاب.
الطريق الخامس: تنقيح المناط:
اعتبر بعض الأصوليين كالبيضاوي وغيره من الشافعية تنقيح المناط من مسالك العلة (3)، والتنقيح في اللغة التهذيب والتخليص والتمييز، يقال: كلام منقح أي لا حشو فيه، والمناط في الأصل مصدر ميمي بمعنى اسم المكان، ومعناه: اسم مكان الإناطة والتعليق، وتسمى العلة مناطاً لربط الحكم بها وتعليقه عليها.
(1) سورة البقرة، الآية: 220
(2) المصدر السابق
(3) (المستصفى» (55/ 2)، و شرح المحلى على جمع الجوامع) (2/ 239)، و الإبهاج. (3/ 65)، و (شرح الإسنوي، (3/ 88)، و (غاية الوصول» (126)، و إرشاد الفحول
(194)، و المدخل إلى مذهب أحمد» (142)
•
145