الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١٤٦وتنقيح مناط العلة اختلف في تعريفه، وأرجح تعريف الآمدي وهو: أنه بذل الجهد في تعيين العلة من بين الأوصاف التي أناط الشارع الحكم بها إذا ثبت ذلك بنص أو إجماع، عن طريق حذف ما لا دخل له في التأثير والاعتبار مما اقترن به من الأوصاف (1)، كأن يثبت الشارع حكماً في محل، ويدل النص على العلية من غير تعيين وصف بعينه علة، واقترن به أوصاف بعضها لا دخل لها في العلية، فيجتهد المجتهد في تعيين العلة بحذف بعض الأوصاف غير المناسبة.
مثاله: (تعليل كفارة الفطر في رمضان بالوقاع)، كما ورد في حديث الأعرابي السابق ذكره، الذي قال فيه: (واقعت أهلي في نهار رمضان عامداً»، فقال له النبي: (أعتق رقبة»، هذا الحديث يدل بطريق الإيماء على أن علة إيجاب الكفارة على الأعرابي هي الوقاع، والمجتهد نظر في هذه الحادثة، فوجد بعض الأوصاف لا تأثير لها في الحكم مثل: كون الذي واقع أعرابياً، لأن تشريع الأحكام عام لا يختص بها فرد دون فرد، ما دام لم يقم دليل على الخصوصية، ومثل: كون الموطوءة أهلاً وزوجة يحل وطؤها في ليل رمضان، وغير الزوجة لا يحل وطؤها بحال، لا في الليل ولا في النهار، فيكون كل من وصف الأعرابية والأهل ملغياً لا تأثير له في إيجاب الكفارة، وإنما يكون المؤثر في إيجابها هو الجماع عمداً في نهار رمضان، فيكون هو العلة في الكفارة: ة، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة في تنقيح علة هذا الحكم، فلا تجب الكفارة عندهم على من أفطر عامداً بغير جماع. وأما الحنفية والمالكية فيزيدون على ما سبق إلغاء كون الذي وقع خصوص الوقاع، فقالوا: إن مثل الجماع كل مفطر، وهذه المماثلة تفهم بالتبادر، فتجب الكفارة بالإفطار في رمضان عمداً بغير عذر، سواء أكان بجماع أو بأكل أم بشرب ونحوها من المفطرات، ويكون المؤثر حينئذ في إيجاب الكفارة عند هؤلاء هو انتهاك حرمة رمضان بتناول المفطر عمداً، فيكون هو العلة في وجوب الكفارة (2)، وهذا الرأي
وجوب
(1) (الأحكام، للآمدي (62/ 3). (2) يلاحظ أن قياس الأكل على الجماع في كفارة الفطر عند الحنفية، مع أن الأكل لا يسمى وقاعاً، يتنافى مع مذهبهم الآتي في بيانه في أن القياس لا يجزي في الكفارات، راجع: تخريج الفروع على الأصول (164)
146