الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

الذي ذهب إليه الأصحاب وهو الحق، إذ المعاقب عليه إنما هو انتهاك حرمة الصيام لفعل يخل به. ومما يلاحظ أن تنقيح المناط شبيه بالسبر والتقسيم، لكن هناك في الواقع فرق بينهما، فإن تنقيح المناط يكون حيث دل نص على مناط الحكم، ولكنه غير مهذب ولا خالص مما لا يدخل في العلية، وأما السبر والتقسيم فيكون حيث لا يوجد نص أصلاً على مناط الحكم، ويراد التوصل به إلى معرفة العلة لا إلى تهذيبها من غيرها. وإني لا أجد مسوغاً واضحاً لاعتبار تنقيح المناط مسلكاً مستقلاً من مسالك العلة، إذ إنه يكون حيث يدل نص على العلية من غير تعيين وصف بعينه علة، فهو ليس مسلكاً للتوصل به إلى تعليل الحكم، لأن تعليل الحكم مستفاد من النص، وإنما هو مسلك لتهذيب وتخليص علة الحكم مما اقترن بها من الأوصاف التي لا تصلح للعلية.

هذا وقد عد بعض الأصوليين في مسالك العلة أيضاً تحقيق المناط.

الفرق بين تنقيح المناط، وتحقيق المناط، وتخريج المناط: هذه الأمور الثلاثة تتعلق بالعلة في القياس، أما تنقيح المناط فقد سبق بيانه، وعرف أنه خاص بالعلل المنصوصة ولا يوجد في العلل المستنبطة، وأنه هو الاجتهاد في تعيين السبب الذي ناط الشارع الحكم به وأضافه إليه، ونصبه علامة عليه بحذف غيره من الأوصاف عن درجة الاعتبار

أما تحقيق المناط: فهو النظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور الفرعية التي

(2)

يراد قياسها على أصل، سواء أكانت علة الأصل منصوصة أم مستنبطة (2)، أي أن تحقيق المناط هو النظر في تحقق العلة الثابتة بنص أو إجماع أو بأي مسلك، في جزئية أو واقعة غير التي ورد فيها النص، فإقامة الدليل على أن تلك العلة موجودة في الفرع كما هي موجودة في الأصل يعتبر تحقيقاً للمناط، وسمي كذلك لأن المناط

(1) راجع: «الإحكام» للآمدي (63/ 3)، و (روضة الناظر) (2/ 232)، و التقرير والتحبير) (3/ 193)، و الإبهاج، (3/ 57)، و (شرح الإسنوي، (3/ 89)، ومذكرة

في أصول الفقه) للشيخ زهير (119) وما بعدها. (2) (المستصفى) (54/ 2)، و (الإحكام (للآمدي (63/ 3)، و التقرير والتحبير» (1923)، وا روضة الناظر) (229/ 2)، و (الإبهاج، (3/ 57)، و شرح الإسنوي

(89/ 3)، و المدخل إلى مذهب أحمد) (142)، و (إرشاد الفحول» (195).

147