الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١٦عادة، وإذا امتنع نقل الحكم إليهم امتنع الاتفاق الذي هو فرع تساويهم في نقل الحكم
إليهم
(1)
وأجيب عن ذلك:
بأن هذا فاسد، لأن الإجماع لما كان متصوراً في الأخبار المستفيضة (كالكتاب فإنه لشهرته لا يخفى على أحد)، يكون متصوراً في الأحكام أيضاً، لأنه كما يوجد سبب يدعو إلى إجماعهم في الأخبار المستفيضة، يوجد سبب يدعو إلى إجماعهم في اعتقاد الأحكام، كما أنه لا يمتنع نقل دليل الحكم إلى المتفرقين، لأن أهل الإجماع مجدون وباحثون، وليسوا خاملين فإن المطلوب لا يخفى على الطالب الجاد، وإنما يمتنع ذلك لمن قعد في عقر داره، لا يبحث ولا يطلب، على أن المجتهدين عدد قليل معروفون بأعيانهم، لأن الزمان إذا جاد بواحد في وقت ما ضن أوقاتاً كثيرة بمثله، وعليه فالحكم قد يكون معلوماً للجميع ولا يخفى على واحد من المجتهدين، ولا سيما في أوائل الإسلام، لأن الأئمة المجتهدين كانوا قليلين معروفين فيتيسر نقل الحكم إليهم 2 - إما أن يكون اتفاقهم عن غير دليل فيكون باطلاً، إذ لا بد للإجماع من مستند عند الجمهور، وإما أن يكون عن دليل قاطع، أو عن دليل ظني، فإن كان عن دليل قاطع فالعادة تحيل عدم نقله إلينا وتواطؤ الجمع الكثير على خفائه، فلما لم ينقل على أنه لم يوجد ولو أنه نقل لأغنى عن الإجماع، وإن كان عن ظني فالاتفاق فيه ممتنع عادة أيضاً لاختلاف الأفهام وتباين الأنظار، وموارد الاستنباط عندهم، وإحالتها لهذا كإحالتها على اشتهاء طعام واحد في وقت واحد، أي أن اتفاق الأمة أو جميع المجتهدين على حكم غير معلوم من الدين بالضرورة محال عادة، كما يستحيل اتفاقهم
(2)
في الساعة الواحدة على المأكول الواحد، فإن الاتفاق على هذا، أو ذاك محال عادة
(1) شرح البزدوي، (227/ 3)، و (مسلم الثبوت وشرحه) (211/ 2)، و (طلعة الشمس (73/ 2)، و (إرشاد الفحول» (ص (68)، و (تيسير التحرير» (3/ 225)، و (
•
التقرير والتحبير، (3/ 82).
(2) المرجع السابق.
16