الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١٨على ثبوته والتي لا مطعن فيها، وبسقوط شبه المنكرين له يتضح جلياً أن الإجماع ثابت
بل واقع، وأن القائلين باستحالته عادة لم ينتهض لهم دليل ولا إثارة من علم.
نقل الإجماع: وكما حصل خلاف في إمكان وجود الإجماع حصل الخلاف في إمكان نقله. فالجمهور يرون إمكان نقله كما أمكن وجوده، وما نقل من مسائل مجمع عليها يكفي دليلاً على إمكان نقله، ورأت طائفة عدم إمكان نقله حتى ولو كان موجوداً مستدلين
على ذلك بأن نقله يتوقف على أمور ثلاثة: 1 - معرفة المجمعين بأشخاصهم وأعيانهم. 2 - معرفة الأمر الذي غلب على ظنهم. 3 - معرفة أنهم اتفقوا عليه في وقت واحد.
أما الأول: فلانتشار المجتهدين في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك مما يجوز اختفاء أحدهم لحبسه أو أسره، أو انقطاعه للعبادة أو كونه خامل الذكر لا يختلط بالناس فلا يعرف كونه من المجتهدين. وأما الثاني: فلاحتمال أن يفتي بعض المجتهدين على خلاف ما غلب على ظنه خوفاً من حاكم ظالم أو من مجتهد ذي منصب في الدولة، رأيه على خلاف ما ظنه ذلك
المجتهد
وأما الثالت فلجواز أن يرجع أحدهم عن رأيه قبل أن يفتي فيه الباقون فلا يتحقق الاتفاق من الجميع في وقت واحد. ومن أجل هذا كله استبعد الإمام أحمد نقل الإجماع فقال: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن هذا غير مطرد في كل إجماع فإن إجماع الصحابة مثلاً لا يتعذر نقله لمعرفتهم بأعيانهم نظراً لقلتهم ووجودهم في مكان واحد، وليس فيهم من هو خامل وخصوصاً المجتهد منهم وكان لهم من قوة الدين ما يمنعهم من الفتوى على خلاف ما يعتقدون، لأنهم لا يخشون في الحق لومة لائم ولا صولة صائل
ولم ينقل عن أحدهم أنه رجع عن فتواه قبل فتوى الآخر، وإلا اشتهر ذلك عنهم. ومتى ثبت عدم تعذر النقل في بعض الجزئيات بطل مدعاهم، لأن السالبة الكلية تنتقض بالموجبة الجزئية.
18