الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١٨٨وعلى هذا فالأحكام التي شرعت لصيانة الضروريات هي أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة، وتليها الأحكام المشروعة لضمان الحاجيات، ثم الأحكام المشروعة للتحسين والتكميل (1)
ثانياً - أقسام المصلحة حسب دلالة الشرع:
إن المصالح بحسب دلالة الشرع لا تعدو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما دل الشرع على اعتباره وشهد له بدليل معين من نص أو إجماع أو
قياس.
القسم الثاني: ما دل الشرع على إلغائه وعدم اعتباره بنص أو إجماع أو قياس.
القسم الثالث: مصلحة لم يشهد الشرع باعتبارها ولا بإلغائها. القسم الأول - المصالح التي دل على اعتبارها نص أو إجماع أو قياس: هي حجة لا إشكال في صحتها ولا خلاف في أعمالها ويرجع حاصلها إلى القياس، فإذا نص الشارع على حكم في واقعة ودل على المصلحة التي قصدها بهذا الحكم وأرشده إليها بمسلك من المسالك إلى العلة الظاهرة التي ربط بها حكمه – لما في هذا الربط من تحقيق المصلحة - فإن كل واقعة غير واقعة النص تتحقق فيها هذه العلة، يحكم فيها بحكم الشارع في واقعة النص وهذا حكم بالقياس مثال ذلك، قول الله تعالى: ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء في المحيض) (2)، فعبارة النص تدل على أن إيجاب اعتزال النساء في المحيض سبب من كونه أذى، فإذا ثبت أن حال النفاس أو حال النزيف حال أذى مثل
المحيض، وجب اعتزال النساء شرعاً قياساً على وجوب اعتزالهن في المحيض. وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (3)، عبارة النص تدل على أن الأمر بترك البيع النداء للصلاة في يوم الجمعة، لأن البيع في هذا الوقت مشغلة عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، فكل معاملة تشغل عن ذكر الله عز وجل وعن الصلاة
(1) انظر: (الموافقات) (2/ 8 - 12)، و (المستصفى» (1/ 140)، و (المحصول، (2/ 435 - 437)، وانظر: (ضوابط المصلحة) (119)، مالك (376) (2) سورة البقرة، الآية: 222
(3) سورة الجمعة، الآية: 9
188