الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١٩١فالقول بإباحة تصنيع الخمر والتعامل فيه وتعاطيه تشريعاً، بناء على مصلحة ألغى الشارع اعتبارها تشريع مردود.
والحاصل أن كل ما نهى الله عنه أو خالف شرعه يجب تركه والابتعاد عنه حتى لو توهم في فعله المصلحة.
القسم الثالث - ما لم يشهد الشارع له باعتبار أو إلغاء: كأن تحدث واقعة لم يشرع الشارع لها حكماً ولم تتحقق فيها علة اعتبرها الشارع لحكم من أحكامه، ووجد فيها أمر مناسب لتشريع حكم، أي أن تشريع الحكم فيها من شأنه أن يدفع ضرراً أو يحقق نفعاً، فهذا الأمر المناسب هو الذي يسمى بالمصلحة المرسلة، ووجهة تسميته مصلحة هو: أن بناء الحكم عليه مظنة دفع ضرر أو جلب نفع، ووصفت بالمرسلة لأن الشارع أطلقها فلم يقيدها باعتبار ولا إلغاء (1).
قال نور الدين - رحمه الله - في بيان هذا النوع: وهي عبارة عن وصف مناسب ترتبت عليه مصلحة العباد واندفعت به عنهم مفسدة، لكن الشارع لم يعتبر ذلك كالوصف بعينه ولا بجنسه في شيء من الأحكام ولم يعلم من إلغاء له، وبذلك سمي مرسلاً لأن المرسل في اللغة المطلق، فكان هذا الوصف المناسب قد اطلق عن الاعتبار والأهدار (2)
وهذا القسم قلما تجد له في كلام العلماء مثالاً صحيحاً ينطبق عليه، إذ إذن المصالح التي قال بها الأئمة مصالح مشهود لجنسها بالاعتبار، ولا يتصور أن توجد واقعة مسكوت عنها في الشرع لأنه يلزم منه عدم إكمال الدين وإتمام النعمة، وهذا خلاف ما نص عليه الحق سبحانه وتعالي في قوله: {اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لَكُمُ الإِسلام دينا (3)
يرد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (4)، قال الغزالي: والصحيح أن الاستدلال المرسل في الشرع لا يتصور حتى نتكلم فيه بنفي أو إثبات، إذ الوقائع لا حصر لها وكذا المصالح، وما من مسألة تفرض إلا وفي
(1) انظر لاستخراج ما تقدم من التقسيم والأمثلة ما يأتي: (المستصفى» (139/ 1)، والاعتصام، (2/ 113 - 115)، و «المحصول، (239/ 2 - 242)، و ضوابط المصلحة، (221) وما بعدها، «وأثر الاختلاف) (ص (145)، و التشريع الإسلامي)
(ص 86).
(2) (طلعة الشمس» (2/ 185). (3) سورة المائدة، الآية: 3. (4) سورة الأنعام، الآية: 38.
191