الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

الشرع دليل عليها، إما بالقول أو بالرد فإنا نعتقد استحالة خلو واقعة عن حكم الله تعالى (1)

ولعل أقرب مثال لما يدعى بالمصالح المرسلة مصلحة الدولة الإسلامية - في ظل إمام عادل – في فرض دفع أموال على الرعية عندما لا تفي خزينتها بحاجات تجييش الجيوش، وسد الثغور، وصد الأعداء، إذا لم يكن شيء من مال الدولة يصرف في السرف والبذخ، أو في ما لا حاجة إليه، فهي مصلحة ليس لها شاهد بالاعتبار كما أنه لا شاهد لها بالإلغاء، ولكنها داخلة ضمن أهم مقصد من مقاصد الشريعة وهي حفظ الدين والأنفس والأموال.

وبالجملة فيمكن أن تعرف المصلحة المرسلة بأنها: «كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار على الخصوص أو الإلغاء».

وعليه فليس من المصالح المرسلة كل ما يظن أنه منفعة مما لا دخل له في المقاصد الكلية للشارع، وكذلك كل ما كان للإمام أن يتصرف فيه بموجب حق الإمامة: كتخير الإمام بين استرقاق الأسرى وقتلهم وافتدائهم بالمال والمن عليهم، لأن ما يملكونه من خيرة في ذلك واقع ضمن دائرة ما نص عليه الشرع بواسطة الكتاب أو السنة وكذلك كل مسألة أو واقعة كانت مناطاً لمصلحتين متعارضتين لكل منهما شاهد من

الاعتبار أو الإلغاء، لأن مثل ذلك لا يقال إنه خال عن شواهد الاعتبار أو الإلغاء. وليس معنى كون المصلحة المرسلة مرسلة أنها مجردة من أي دليل تستند إليه أو مجردة عن أي دليل يلغيها، بل لا بد أن تكون مستندة إلى دليل ما قد اعتبره الشارع أنه دليل لا يتناول أعيان هذه المصالح بخصوصها، وإنما يتناول الجنس البعيد لها، كجنس حفظ الأرواح والعقول والأنساب (2)

غير

مراعاة الشارع المصالح في تشريعاته

من المعلوم المقطوع به الذي لا يرتاب فيه من له أدنى تفكير أن الشارع ما أنزل كتبه ولا أرسل رسله إلا لجلب المصالح ودرء المفاسد في الدنيا والآخرة، وهذه قضية قطعية لا تحتاج إلى إقامة البراهين على صحتها، فإن كل من استقرأ موارد الشريعة

(1) «المنخول، (ص (359).

(2) ه المستصفى: (142/ 1)، و (المحصول» (823/ 2)، و تخريج الفروع على الأصول» (169 - 171)، و (ضوابط المصلحة، (33 - 35).

192