الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١٩٣وجد ذلك صريحاً، فقد جاءت الشريعة لتنظم علاقة الإنسان بربه، فقررت ما يجب عليه من توحيد خالقه والقيام بعبادته، وفصلت ذلك على أتم الوجوه.
ومن ثمرات ذلك التوحيد وتلك العبادات إصلاح الفرد، وبصلاح الفرد تصلح الأسرة، وبصلاح الأسرة تصلح المجتمعات.
وجاءت الشريعة بتنظيم علاقة الإنسان بمن عداه من الخلق، فبينت علاقته بوالديه وأولاده وزوجته، وعلاقته بأقاربه وأرحامه وجيرانه في الحضر والسفر، وعلاقته بالفقراء والمساكين وكل ما يجب عليه، أو يحسن أن يقوم به من واجبات وحقوق لبني جنسه على اختلاف طبقاتهم وتنوع مجتمعاتهم وتباين بيئاتهم. كذلك بينت واجباته نحو مخلوقات الله ممن عدا الإنسان، فجاءت بكل ما فيه سعادة الإنسانية وراحتها في الدنيا والآخرة، وحذرتهم من كل ما يزعزع هذه السعادة ويجلب لهم من مضار، كل ذلك جاء وافياً مبيناً بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، قال تعالى: ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْء) (1)
(2)
?
ويقول - عليه الصلاة والسلام -: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي غير أن الحياة لما كانت في تطور مستمر ونمو حضاري متواصل والناس مختلفون في البيئات، وأساليبهم في الوصول إلى مصالحهم وأغراضهم تتغير في كل زمن وبيئة، وفي أثناء ذلك تتجدد المصالح والأغراض للناس، وتلك المصالح والأغراض لا تخلو من أن تشوبها مفاسد، فلو اقتصر على الأحكام المبنية على المصالح التي نص الشارع عليها بأعيانها لتعطل كثير من مصالح الناس، وجمد التشريع ووقف عن مسايرة الزمن ومواكبة التقدم الحضاري المستمر والمتجدد.
وفي ذلك كله إضرار كبير بالعباد تأباه مقاصد الشريعة المطهرة التي جاءت لتحقيق المصالح ودفع المفاسد التي قصد الشارع الحكيم مراعاتها من تشريعاته، إذاً فلا بد أن يسيروا مطبقين هذه القاعدة) جلب المصالح ودفع المضار فيما جد في هذه الحياة مما لم تشمله النصوص على التعيين ولم يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالقبول أو الرد».
(1) سورة الأنعام، الآية: 38. (2) رواه البخاري جهاد (176)، جزية (6)، علم (49)، مرض (17)، مغازي (83)، إعتصام (36)، ومسلم وصية (21، 22)، وأحمد بن حنبل (1/ 222، 324، 336، 344)، بلفظ: «اكتب لك كتاباً لم، لا، لن تضلوا بعده (أبداً) بعدي»
193