الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ١٩٤حجية المصالح المرسلة
إن ما دلت الشريعة على اعتبار جنسه مما يجلب المنافع للعباد ويدفع عنهم المضار، وتضمنته مقاصدها العامة ولو لم تنص على جزئياته بأعيانها لم يهمل اعتباره عالم من
علماء الإسلام سلفهم وخلفهم، وإن تنوعت عباراتهم في بيان ذلك، وتعددت مناهجهم في الأخذ به، فلا يروع الباحث ما يجده مسطراً في كتب بعض العلماء من التشنيع على بعض من يتوسع في بيان تلك المصالح وتطبيقها في التفريعات الفقهية، وسنوضح مواقف علماء الأمة من ذلك بدءاً بموقف الصحابة وانتهاء إلى مواقف من بعدهم من الفقهاء، وسنتبع ذلك كله بأمثلة تبرهن على تلك المواقف.
- موقف الصحابة من المصالح المرسلة:
1 - أخذ عمر بالمصلحة في منعه بيع أمهات الأولاد: رأى عمر - رضي الله عنه - عدم بيع أمهات الأولاد، ووافقه على ذلك من معه من الصحابة، وكان العمل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر - رضي الله عنه – بخلافه، والمصلحة التي رآها عمر في ذلك هي القضاء على الرق لأن أم الولد تعتق على ابنها إذا ورثها.
ثم ورد أن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - عزم على بيعهن وقال: «إن عدم البيع كان رأياً اتفق عليه هو وعمر)، فقال له قاضيه عبيدة السلماني: «يا أمير المؤمنين رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك»، فقال: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف».
قال ابن القيم: بعد إيراد قول علي هذا: فلو كان عنده نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم بيعهن لم يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر، ولم يقل: (إني رأيت أن (1) هذا ما قرره ابن القيم.
يبعن
»
وعن أبي الزبير عن جابر أنه سمعه يقول: (كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا والنبي فينا حتى لا نرى بذلك بأساً» (2)
(1) «الطرق الحكمية» (ص 17، 18). (2) رواه أحمد وابن ماجه.
194