الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

على مصحف واحد، وأحرق ما عداه من المصاحف خشية ضياع القرآن وانتفاء الفتنة. ولم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما صنعوا من ذلك ولكنهم رأوا مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعاً، فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة والأمر بحفظها معلوم وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن، وقد علم النهي عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد عليه إلى غير ذلك من القضايا المنتشرة المنقولة عن الصحابة التي عملوا فيها بالمصلحة بما يتفق ومقاصد الشريعة العامة

(1)

- مواقف الفقهاء من المصالح المرسلة:

إن ترتيب الحكم الشرعي في واقعة لا نص فيها ولا إجماع بناء على مراعاة مصلحة مرسلة وهو ما يسمى بالاستصلاح عند الأصوليين (2)، لا تكاد تجد مذهباً من المذاهب الفقهية لأي إمام من الأئمة خالياً منه وإن لم ينص عليه كدليل من الأدلة

الشرعية.

ولو أمعن الباحث النظر فيما تقوله أشهر كتب الأصول من اعتبار الأئمة للمصالح المرسلة، وفيما هو مفصل في كتب الفروع لسائر المذاهب لوجد بينها بوناً بعيداً، فالأصوليون أو أغلبهم ينصون على أن أئمتهم لا يأخذون بالمصالح المرسلة، بينما كتب الفروع تزخر باعتبار المصالح المرسلة في مسائل كثيرة، ولعلنا من خلال تقول ما كتبه هؤلاء وأولئك نتبين إلى أي مدى تباينت وجهات النظر.

1 - قال الآمدي: (المصالح على ما بينا إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها، والمرسلة مترددة بين ذينك القسمين، وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر، فامتنع الاحتجاج بالمرسل دون شاهد بالاعتبار يبين أنه من قبيل المعتبر دون الملغي»، وقال أيضاً: (وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به وهو الحق، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به، مع إنكار أصحابه لذلك عنه ولعل النقل إن صح عنه فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل

(1) المرجع السابق (ص 117).

(2) (ضوابط المصلحة» (ص (352)، «مصادر التشريع) (ص 85).

197