الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠لأن توخي الفاعل لهذا الفعل مع العلم بما يترتب عليه من ضرر في حكم المقطوع به، يكون من أحد أمرين: إما من تقصير في إدراك الأمور على وجهها وعدم اختبار مضارها، وذلك ممنوع، وإما أنه قصد إلى الإضرار وهو ممنوع أيضاً. 2 - أن يكون الفعل مؤدياً إلى المفسدة غالباً: كبيع السلاح في وقت الفتن، أو من أهل الحرب، وبيع العنب لمعتصري الخمر، وما يغش به ممن شأنه الغش، ونحو ذلك مما يقع في غالب الظن أداؤه إلى المفسدة لا على سبيل القطع، وهذا النوع أيضاً ممنوع لأن الاحتياط يوجب الأخذ بغلبة الظن، ولأن الظن في الأحكام العملية يجري مجرى العلم فيجري هنا مجراه، ولنا أن إجازة هذا القسم من الذرائع نوع من التعاون على الإثم والعدوان، وذلك لا يجوز وإن كان المنع أخفض رتبة من القسم الأول. - ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً: كحفر بئر بموضع بحيث يغلب أن لا يقع فيه
أحد، وبيع الأغذية التي من شأنها أن لا تضر أحداً غالباً وما أشبه هذا.
وهذا النوع من الذرائع باق على أصل الإذن والمشروعية ما دام الفعل مأذوناً فيه: لأن المصلحة إذا كانت غالبة فلا اعتبار لندرة انخرامها، إذ لا توجد مصلحة - في العادة – عارية عن المفسدة جملة، والشارع إنما اعتبر غلبة المصلحة ولم يعتبر ندور
-
المفسدة.
4 - أن يكون الفعل مؤدياً إلى المفسدة كثيراً لا غالباً: بحيث إن هذه الكثرة لا تبلغ مبلغاً يحمل العقل على ظن المفسدة فيه دائماً، وذلك كمسائل بيوع الآجال والبيوع الربوية، وهذا النوع من الذرائع - قال فيه الشاطبي -: هو موضع نظر والتباس (1) تقسيم القرافي للذرائع
قال: وأما الذرائع فقد أجمع على أنها ثلاثة أقسام:
1 - معتبر إجماعاً كحفر الآبار في طريق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى.
(1) لأن العلم والظن بوقوع المفسدة منتفيان، إذ ليس هنا إلا احتمال مجرد بين الوقوع وعدمه، ولا قرينة ترجح أحد الجانبين على الآخر واحتمال القصد للمفسدة والإصرار لا يقوم مقام نفس القصد ولا يقتضيه لوجود العوارض من الغفلة وغيرها عن كونها موجودة أو غير موجودة، انظر: (الموافقات» (361/ 2)، طبعة دار الباز للنشر.
•
260