الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٢٧

وشرائعهم ونهيهم عن المنكر كنهيهم عن الإلحاد وتكذيب أنبيائهم قال تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) (1)، على أن لفظ المعروف لو لم يحمل على الاستغراق لوجب حمله على الماهية، ويكفي في العمل به ثبوته في صورة واحدة فيكون معناه أنهم أمروا بمعروف واحد ونهوا عن منكر واحد، وهذا القدر حاصل في سائر الأمم، لأن كلا منهم قد كان أمراً بمعروف واحد، وهو الدين الذي اعتنقه وقبله من نبيه وناهياً عن منكر واحد وهو: الكفر الذي رده وحينئذ لا يثبت بذلك كون هذه الأمة خيراً من سائر الأمم، ولما كان الله عز وجل قد ذكره لبيان ذلك الحكم علم أنه يجب حمله على الاستغراق تحصيلاً للفرق، لأنه إذا لم يجعل الاستغراق ولا حمله على الماهية كان ذلك مخالفة للغة (2)

وأجابوا عن الاعتراض الثاني: بأن كان في قوله: كنتم»، تقتضي الدوام والاستمرار، كما هو الحال في كان الصادرة من قبل الله تعالى، وإن كانت في الأصل للماضي فيجب هنا حملها على الاستمرار، لأن قوله تعالى: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، يقتضي كونهم كذلك في الحال والاستقبال، لأنه للاستمرار التجددي لوجوده في معرض التعظيم لهذه الأمة (3)

وأجابوا عن الاعتراض الثالث: بما أجابوا به عن الاعتراض الثاني

وأما الاعتراض الرابع: فأجابوا عنه بما حاصله أن المدعى هو حجية قول المجموع فيفيد حجية ما وجد من أمرهم ونهيهم جملة، فيكون بمنزلة قول القائد لجنوده: أنتم خير جنود تفتحون القلاع وتهزمون الجيوش إلى غير ذلك، فإن قوله هذا لا يفهم منه أنه وصف كل واحد من آحاد الجند بتلك الصفات ولكن يفهم منه أنه وصف المجموع

(4)

ويجاب عن الاعتراض الخامس والسادس: بأن المتبادر من الآية المدح بأن أمرهم ليس إلا بالمعروف ونهيهم ليس إلا عن منكر فوجب أن يكون ما أجمعوا عليه معروفاً، وخلافه منكراً، والخطأ من حيث هو خطأ لا يصلح للمدح على الأمر به

(1) سورة الأعراف، الآية: 164.

(2) راجع (المحصول: (48/ 2)، وشرحه (463/ 3).

(3): المحصول» (49/ 2)، (الأحكام» (307/ 1). (4) راجع (الأحكام» (309/ 1).

27