الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ٤٣المجتهدين مع اشتهار قول مجتهد فيما بينهم إجماعاً، فإن الساكت تحيط بسكوته عدة ظروف وملابسات نفسية، قال صاحب سبل السلام: إن السكوت من العلماء على أمر وقع من الآحاد أو من خليفة أو غيره من فعل محظور أو ترك واجب، لا يدل على جواز ما وقع، لا على جواز ما ترك، إذ لا يثبت أنه قد أجمع الساكت إلا إذا علم رضاه بالواقع، ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب (1) وقد اعترض على هذا الدليل بأنه لو كان فيه خلاف لمجتهد لظهر في مقام الاستفتاء والبيان والتشريع بعد انقضاء فترة البحث والدرس، مع انتفاء الموانع، لكن رد عليه بأنه لو كان هناك وفاق أيضاً لظهر ونقل إلينا.
وبهذه الاحتمالات يبطل قول الجبائي، حيث شرط انقراض العصر في الإجماع السكوتي، لأن بعض هذه الاحتمالات قد يستمر إلى وفاة مجتهدي العصر وكذلك يبطل قول من قال: إنه حجة وإن لم يكن إجماعاً، إذ هو تحكم، لأنه قول بعض الأمة، والعصمة إنما تثبت لكل الأمة.
ونوقش هذا الدليل أيضاً بأن السكوت يعتبر موافقة إذا انتفت هذه الاحتمالات، وهو ما قرره القائلون بالإجماع السكوتي.
ثانياً: الاستدلال بالآثار:
منها ما روي في: «حديث ذي اليدين الذي كان يصلي مع أبي بكر وعمر والصحابة خلف رسول الله، فقصر الصلاة الرباعية على ركعتين، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: «لم أنس ولم تقصر – أي في ظني -، ثم سأل الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر وعمر، أصحيح ما يقول ذو اليدين؟ فقالا: نعم، فلو كان سكوت أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة أو ترك النكير يعد موافقة لقول ذي اليدين، ما سألهما الرسول عليه الصلاة والسلام، واكتفي بما يقوله ذو اليدين من غير حاجة إلى السؤال.
(2)
ومنها: ما روي أن (عمر - رضي الله عنه - شاور الصحابة في مال فضل عنده
(1) سبل السلام» (62/ 4). (2) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وذو اليدين هو الخرباق بن عمرو، لقب بذي اليدين لطول كان في يديه، وفي الصحابة رجل آخر يقال له: ذو الشمالين، غير ذي اليدين " سبل السلام» (203/ 1)
43