الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٤٤

من الغنائم، فأشاروا عليه بتأخير القسمة، والإمساك إلى وقت الحاجة، وعلي -رضي الله عنه - ساكت، حتى قال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: لم نجعل يقينك شكا، وعلمك جهلاً، أرى أن تقسم ذلك بين المسلمين، وروى فيه حديثاً في قسمة الفاضل "

فهذا دليل أيضاً على أن عمر لم يعتبر سكوته موافقة حتى سأله، واستجاز علي كرم الله وجهه السكوت مع كون الحق عنده في خلافهم، ونحوها من الآثار التي ذكرها صاحب (كشف الأسرار) (949/ 2) وما بعدها. ونوقشت الآثار المذكورة، أما الأثر الأول فإن سؤال الرسول لم يكن لأنه لا يعتبر السكوت موافقة، وإنما كان ليتأكد من حصول ما قال ذو اليدين، والتأكد من قوله يمكن أن يكون مع اعتباره السكوت موافقة، ويدل على أنه أراد التأكد أنه أتم الصلاة ركعتين أخريين ثم سجد للسهو.

وأما الأثر الثاني فإن سؤال علي - رضي الله عنه - ليس لأن عمر لم يعد السكوت موافقة، وإنما كان في وقت لا تزال فيه المشاورة قائمة، وسؤال الساكت في هذا الوقت لا يتضمن أن السائل لا يعتبر السكوت موافقة، إذ مجال هذا الاعتبار إنما يكون بعد انتهاء المناقشة، واخق أن هذه الآثار محتملة، ولا يصح الاعتماد عليها في تقرير

هذه المسألة

على أنه لا يمكن أيضاً فهم إجماعات الصحابة إلا على نحو هذا الإجماع السكوتي. وكذلك نجد كلاً من الحنفية والشافعية يدعي قيام الإجماع على حد شارب الخمر ثمانين جلدة عند الحنفية، وأربعين عند الشافعية، ولا يثبت هذا المدعى إلا بطريق الإجماع السكوتي، ويمكن التقريب بين الرأيين بملاحظة نواح ثلاث:

أولاً: السكوت في موضع البيان بيان، والسكوت على رأي اشتهر عنوان الموافقة.

ثانياً: المسلمون لا يسكتون على ما يرون بطلانه، لما لديهم من الغيرة على دينهم. ثالثاً لا بد من أن تكون هناك أمارة على الموافقة والرضا، بحيث يعتبر السكوت بياناً حتماً، عن طريق انتفاء الاحتمالات التي ذكرها منكرو الإجماع السكوتي،

44