الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ٤٩وأجيب عن هذه الدلالة:
أولاً: بأن ثناء الرسول على المدينة وأهلها يدل على فضيلتهم ولا يدل على الاحتجاج بإجماعهم، على أن العصمة ثبتت للأمة جميعها وليس أهل المدينة كل الأمة، وقد خرج منها من هو أعلم من الباقين وليس في النصوص الواردة ما يدل على كون إجماعهم حجة، وليس فيها إخراج من عداهم من الاعتداد بقوله. ثانياً: كون المدينة مهبط الوحي ومعدن العلم، وأن أهلها شاهدوا التنزيل، وأن أهلها أعرف بأحوال الرسول كل هذه الأمور تدل على فضيلتهم ولا تدل على حجية إجماعهم كما أنها لا تنفي الفضيلة عن غيرهم ولا تخرجهم من أهل الإجماع ولا تدل أيضاً على انحصار أهل العلم فيها
ثالثاً: قياس إجماعهم على روايتهم وتقديمه على تقديم روايتهم على غيرها قياس مع الفارق ذلك أن الروايات مستندها السماع ووقوع الحوادث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرته وأهل المدينة أعرف بذلك فكانت روايتهم أرجح.
على أن الإجماع لا يرجح بكثرة المجمعين ولا فضلهم، بل لا بد من اتفاق الكل، ثم إن فيه اجتهاداً والاجتهاد طريقه البحث والنظر وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد
(ب) بيان القائلين بأن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكفي في اعتباره حجة متى خالفهم غيرهم ذهب جمهور العلماء إلى أن إجماع أهل المدينة ليس بحجة، ذلك أن الإجماع المعتبر إجماع مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم وليس أهل المدينة هم كل المجتهدين. ما استدل به الجمهور:
تتلخص حجة الجمهور فيما يلي:
(أن إجماع أهل المدينة ليس إجماعاً بالمعنى الذي سبق تعريفه به، لأشهر المجتهدين والإجماع اتفاق كل المجتهدين الموجودين في عصر واحد، والأدلة إنما أثبتت عصمة الخطأ ولم تثبت عصمة البعض عنه، فكان قول الكل هو الحجة، قال الإمام الغزالي: (فإن أراد مالك أن المدينة هي الجامعة لهم – يعني
الكل عن
(1) (الإحكام للآمدي (243/ 1 - 244).
49