الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٥٤

وقال نور الدين - رحمه الله والصحيح أن انقراض العصر ليس بشرط في انعقاد الإجماع، لأن الدليل لم يعتبره وإنما اعتبر اتفاق أهل العصر على قول واحد في

الحكم (1)

واحتج المشترطون لانقراض العصر بما يأتي:

1 - أن عدم الاشتراط يؤدي إلى منع رجوع المجتهد عن اجتهاده إذا ظهر له دليل مخالف لحكم المجمعين، ومنعه لا يصح ويجاب عنه: بأن غفلة المجمعين عن مثل هذا الدليل بعد فحصهم وتحريهم وبحثهم مظانه بعيدة الحصول، ولو سلم هذا لحاز ألا ينعقد إجماع أصلاً، إذ يلزم منه جواز الرجوع عن الإجماع بعد انقراض العصر من أهل الخلف، إذا تبين لهم ما ينقض الحكم السابق، ما دمنا قد أجزنا الرجوع ما لم ينقرض العصر.

عن

2 - لا يثبت الإجماع إلا باستقرار الآراء، واستقرارها لا يثبت إلا بانقراض العصر، وأما قبله فالناس في حال تفحص وتأمل، فيحتمل رجوع البعض أو الكل عما اتفقوا عليه، والدليل عليه أنه رجع بعض الصحابة بالفعل عما وقع فيه الإجماع، من ذلك ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه رجع عن حكم تحريم بيع أمهات الأولاد، وقال: اتفق رأيي ورأي عمر على ألا تباع أمهات الأولاد، أما الآن فقد رأيت بيعهن. فهذا علي وافق الصحابة رضي الله عنهم في منع بيع المستولدة، ثم رجع عنه، حتى إن

عبيدة السلماني (2) قال له: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. 3 - كذلك عمر خالف ما اتفق عليه أبو بكر والصحابة في التسوية في قسمة الغنائم، وقال بضرورة تفضيل المجاهدين الأولين الذين قاتلوا مع الرسول - عليه الصلاة والسلام - على الذين لم يكونوا من أهل السبق في الإسلام، وفضل أيضاً بالعلم والفضل وقدم العهد، وخالف عمر أيضاً في حد الخمر ما كان عليه أبو بكر

(1) (طلعة الشمس) (87/ 2).

(2) عبيدة السلماني: بفتح العين والسين وإسكان اللام منسوب إلى بني سلمان (شرح مسلم للنووي 16/ 84)، وهو عبيدة السلماني المرادي الهمداني، أسلم قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، وسمع عمر وعلياً وابن مسعود وابن الزبير، ونزل الكوفة «تاريخ بغداد» (11/ 113 - 119)، قال الشعبي: كان يوازي شريحاً في القضاء.

54