الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٥٥

والصحابة من الحد أربعين، وقال بالحد ثمانين، ويرد على الدليل بأن استقرار الآراء يحصل إذا مضت مدة التأمل وقطعت الأمة على الاتفاق، وأخبروا عن أنفسهم أنهم معتقدون ما اتفقوا عليه، فيكون اشتراطاً بلا حاجة، وقال الغزالي: «لا نجوز الرجوع من جميع المجمعين، إذ يكون أحد الإجماعين خطأ، وهو محال، أما بعضهم فلا يحل له الرجوع، لأنه برجوعه خالف إجماع الأمة التي وجبت عصمتها عن الخطأ، نعم يمكن أن يقع الرجوع من بعضهم، ويكون به عاصياً فاسقاً، والمعصية تجوز على بعض الأمة، ولا تجوز على الجميع). وأما الآثار التي استدلوا بها على وقوع الرجوع، فهي ليست محل النزاع، لأن بيع أمهات الأولاد لم يكن قد انعقد عليه الإجماع، فإن جماعة من الصحابة منهم جابر بن عبد الله وغيره كانوا يرون جواز بيعهن.

وأما قول السلماني: (رأيك مع الجماعة» إلخ … فهو دليل على أنه قول الأكثرية، وليس هو قول الأمة كلها، بدليل أن جماعة من الصحابة قالوا بالجواز.

وأما كيفية قسمة الغنائم بالتسوية أو بالتفضيل، فإن عمر خالف أبا بكر في زمانه و ناظره فيها، فقال: أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه طوعاً كمن دخل في الإسلام كرهاً؟ فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: (إنما عملوا الله، فأجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ»، أي بلغة العيش، وهم في الحاجة إلى ذلك سواء، ولم يرو عن عمر - رضي الله عنه – أنه رجع عن قوله إلى قول أبي بكر، فلا يكون الإجماع بدونه منعقداً، فلما آل الأمر إليه عمل برأيه، وكذلك حد الشارب لم يكن مجمعاً عليه. لأن عثمان جلد ثمانين وجلد أربعين، وقال علي فيه: (الكل سنة) (1) فيدل هذا على أن الإجماع لم ينعقد على أربعين هذا وقد أيد ابن حزم في كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام»، مذهب الجمهور من الناحية التاريخية، فإن عصر الصحابة استمر إلى عام (103 هـ)، وعصر التابعين استمر إلى سنة (180 هـ)، وكان عصر التابعين مداخلاً لعصر الصحابة، فمن الذي يستطيع حصر إجماع كل عصر، أو ضبط أحوال اتفاقهم واختلافهم، مع أن أهل العصرين متداخلان؟ وكان جمهور التابعين يفتون مع

•

(1) رواه مسلم من حديث حصين بن المنذر من قول علي (التلخيص الحبير) (4/ 75) وما

بعدها.

55