الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ٦٢حجة شرعية معتمدة على النص، إذ هو جمل على النص، والحمل على النص استمساك بالنص، فإذا انعقد الإجماع بناء عليه، كان إجماعاً معتمداً على نص
شرعي.
القول الثالث:
إذا كانت علة القياس منصوصاً عليها، أو ظاهرة غير خفية، صلح أن يكون مستنداً للإجماع، وإذا كانت علته خفية غير منصوص عليها، لا يصلح القياس سنداً للإجماع، وهذا الرأي قريب من الرأي الأول، لأنه إذا كانت العلة منصوصاً عليها كان الإجماع مستنداً إلى النص، ولا إشكال فيه.
والذي يظهر رجحانه هو صلاحية القياس لاستناد الإجماع عليه، وهو ما ذهب إليه الأكثر، بدليل أن الصحابة أجمعوا على ذلك فعلاً، وليس أدل على الثبوت من الوقوع، فقد أجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياساً على تحريم لحمه، وأجمعوا على إراقة الشيرج والدبس السيال، إذا وقعت فيه فأرة وماتت، قياساً على السمن الذي وقعت فيه الفأرة فماتت المنصوص على حكمه في الحديث، وعلى تأمير خالد بن الوليد في موضع كانوا فيه باجتهادهم، وأجمعوا أيضاً بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد، ومقدار أرش الجناية) أي العوض المقابل لها)، ومقدار نفقة القريب؛ وعدالة الأئمة والقضاة ونحوها
هل تصلح المصلحة المرسلة مستندا للإجماع؟
أجاز القائلون بالمصلحة المرسلة كونها سنداً للإجماع، ما دام محصلاً للمصلحة، فإذا تبدلت المصلحة، جازت مخالفة الإجماع، وإحداث حكم آخر يتناسب مع المصلحة الحادثة، بدليل أن فقهاء المدينة السبعة أفتوا بجواز التسعير، وأفتى الإمامان مالك وأبو حنيفة بإعطاء الزكاة للهاشميين لما تغير بيت المال، ومنع أئمة المذاهب من شهادة القريب القريبه، والزوج لزوجته وبالعكس لمصلحة هي الحفاظ على حقوق الناس من الضياع، وكان ذلك جائزاً في عصر الصحابة بالاتفاق.
ومن أمثلة الإجماع المستند إلى مصلحة مرسلة، ما ذكر سابقاً من إجماع الصحابة على عدم قسمة الأراضي المفتوحة ووضع الخراج عليها، تأميناً لمورد دائم لبيت المال، وللإنفاق على القضاة والعمال والجند والأرامل واليتامى والمحتاجين، والمرافق العامة من أنهار وجسور وثغور، ولينتفع به أول المسلمين وآخرهم على حد سواء.
62