الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ٨٦الله ورسوله)) (1)
فهذه الآية تنهي عن العمل بغير كتاب الله وسنة رسوله، والعمل
بالقياس عمل بغيرهما، لأنه تقديم بين يدي الله ورسوله، فكان منهياً عنه. ومنها قوله سبحانه: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) (2)، {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
(3)
به علم)، فهاتان الآيتان تنهيان عن اتباع الإنسان ما ليس مفيداً للعلم واليقين، والقياس إنما يفيد الظن، فكان المجتهد منهياً عن العمل به، وكون الحكم الثابت بالقياس مظنوناً أمر معروف، لأنه يتوقف على العلم بأمور لا يقطع بوجودها، كالعلم بالعلة في الأصل ووجودها في الفرع. ومنها قوله عز وجل: {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (4)، فالظن لا يفيد في إفادة الحق، والقياس مفيد للظن، فلا يفيد في إثبات الحكم.
ومنها قوله تعالى: {وَلا رَطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (5) بقراءة الرفع يجعلها جملة مستقلة لا تتعلق بقوله تعالى: (يعلمها (حتى تتناسب مع المقصود وهو وجود كل الأحكام في القرآن الكريم (6)، والمراد بالكتاب: القرآن، فالآية تدل على أن كتاب الله قد اشتمل على كل شيء، ولا حاجة للقياس، والقياس إنما يكون حجة إذا احتيج إليه، فلا يجوز العمل بالقياس، لأن شرطه فقدان النص، والآية بينت أن كل ما يحتاج إليه من الأحكام منصوص عليه في القرآن.
(1) سورة الحجرات، الآية: 1. (2) سورة الأعراف، الآية: 33 (3) سورة الإسراء، الآية: 36. (4) سورة النجم، الآية: 28 (5) سورة الأنعام، الاية: 59 (6) نص الآية: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) سورة الأنعام، الآية: 59.
وقرئ: (ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس) بالرفع اسم لا مثل ليس وفيه وجهان: أن يكون عطفاً على محل من ورقة) في قوله تعالى: (ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها)، وأن يكون رفعاً على الابتداء وخبره إلا في كتاب مبين) كقولك: (لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار)، وأما قراءة الجر وهي قراءة حفص فهي عطف على ورقة)، وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط من شيء من هذه الأشياء إلا يعلمه، ويكون قوله: (إلا في كتاب مبين) كالتكرير لقوله: إلا يعلمها)، لأن معنى (إلا يعلمها) ومعنى) إلا في كتاب مبين) واحد، والكتاب المبين: علم الله تعالى أو اللوح المحفوظ، (الكشاف» (509/ 1).
86