الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٨٧

ويجاب عن هذا الاستدلال بما يأتي:

أما الآية الأولى: فلا تمنع العمل بالقياس، لأن الله تعالى ورسوله أمر كل منهما بالقياس كما سيتضح ذلك من خلال سرد أدلة الجمهور، فالعمل بالقياس عمل بكتاب الله وسنة رسوله، فلم يكن تقديماً بين يدي الله ورسوله.

وأما الآيات الثانية والثالثة والرابعة: فلا دلالة فيها على المنع، لأن الحكم الثابت بالقياس ليس مظنوناً، بل هو مقطوع به عند المجتهد، أي معلوم يقيناً أنه حكم الله في

المسألة أو أنه على الأقل يجب العمل به، للإجماع على وجوب اتباع ما ظنه المجتهد وأما وجود الظن فهو في الطريق الموصل إلى الحكم، ولا مانع من وجود قاعدة ظنية في أثناء الاستدلال، لأن العلماء أجمعوا على أن المجتهد يجب عليه العمل والإفتاء بما ظنه صواباً، والإجماع يفيد القطع على الراجح، وأيضاً فإن الظن هو الطرف الراجح من الاحتمالات، والعقل يقضي بالعمل بالطرف الراجح.

ويجاب عن هذه الآيات أيضاً بأنها واردة في غير محل النزاع، فهي واردة في النهي عن اتباع الظن في أحكام العقائد، فهي التي يتطلب فيها القطع واليقين، أما الأحكام الشرعية العملية فالظن فيها كاف بالاتفاق بين العلماء، والدليل عليه أننا مكلفون بالعمل بأخبار الآحاد وظاهر الكتاب والسنة، وبقبول شهادة الرجلين والرجل والمرأتين ونحوها مما لا يفيد إلا الظن

وأما الآية الخامسة: فإن المراد بالكتاب هو علم الله أو اللوح المحفوظ، وعلى تسليم أن يكون المراد به القرآن، فلا يشتمل القرآن على جميع الأحكام الشرعية بدون واسطة، لأن اشتماله خلاف الواقع، فكثير من الأحكام الشرعية قد أخذ من السنة أو الإجماع، وحينئذ يكون المراد من اشتمال القرآن على جميع الأحكام شموله لها في الجملة، سواء أكان بواسطة كالقياس، أم بغير واسطة وهو المنصوص عليه، أي أن كل شيء فرض فهو في القرآن معنى، وإن لم يكن فيه لفظاً، فحكم المقيس ذكر فيه معنى. لمشابهته للمقيس عليه في علة الحكم، وقد دل القرآن على وجوب العمل بالقياس بقوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار) كما سيأتي بيانه في أدلة الجمهور. وحينئذ تكون الآية التي احتجوا بها موجبة للعمل بالقياس، وليست مفيدة لعلم العمل به كما زعموا، فيبطل قولهم: إن القياس غير محتاج إليه، بل قد يحتاج إليه في إظهار الحكم في المقيس.