الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ٨٨(ب) السنة: وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها. وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، و أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) (1)، فهذا الحديث يدل على أن الأشياء إما واجبة وإما حرام وإما مسكوت عنها، فهي في دائرة المعفو عنه أو المباح، والمقيس من المسكوت عنه فهو في دائرة المعفو عنه بلا ريب، فإذا قسنا المسكوت عنه على الواجب مثلاً نكون
وإنما
قد أوجبنا ما لم يوجبه الله، وإذا قسناه على الحرام نكون قد حرمنا ما لم يحرمه الله. ويجاب عن هذا الاستدلال بأن هذا الحكم الثابت بالقياس ليس حكماً من المجتهد، وإنما هو حكم الله، لأن علة حكم الأصل استلزمت الحكم في الفرع بطريق المعنى، فكأن الله تعالى قال: كلما تحققت علة هذا الحكم في محل لم ينص على حكمه فأعطوه مثل هذا الحكم لأن الأحكام الشرعية معللة، والعلة تقتضي ثبوت الحكم أينما وجدت، وعليه لا يكون المجتهد قد أوجب أو حرم من تلقاء نفسه، أظهر أن الحكم في المقيس كالحكم في المقيس عليه لتحقق العلة فيهما جميعاً. واستدلوا من السنة أيضاً بحديث آخر وهو قوله - عليه الصلاة والسلام -: «تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا» (2)، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل العمل بالقياس موجباً للضلال، وأجيب عنه بأن هذا الحديث معارض بالأحاديث التي تفيد وجوب العمل بالقياس، مثل حديث معاذ وأبي موسى اللذين سأذكرهما، ويدفع التعارض بينهما بحمل هذا الحديث على العمل بالقياس الفاسد، وحديث معاذ على العمل بالقياس الصحيح، جمعاً بين الأدلة، كيف وقد عمل النبي بالقياس وهو رأس الأمة، وعمل الصحابة بالقياس وكانوا مجمعين عليه
(1) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره عن أبي ثعلبة الخني جرثوم بن ناشر -رضي الله عنه-. (2) من رواية عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة: قال ابن حزم في كتابه " ملخص إبطال القياس والرأي) (56): عثمان تركوه، وانظر. الإحكام في الأصول الأحكام) له (786/ 2)، رواه يعلى وفيه عثمان متفق على ضعفه مجمع الزوائد: (179/ 1).
D